ابن عساكر
357
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
سألني ابن عباس عن قصة بختنصّر فقصصتها عليه ، فقال ابن عباس : ما شبّهت إيمانه إلّا بإيمان سحرة فرعون حين قالُوا : آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [ سورة طه ، الآية : 70 ] . وكان وهب بن منبّه يقول : لما مسخ بختنصّر كان في ذلك يعقل عقل الإنسان ، ثم ردّ اللّه روحه فدعا إلى توحيد اللّه ، وقال : كل إله باطل إلّا إله السماء . قال بكار : فقيل لوهب : أمؤمنا مات ؟ فقال : وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : قد آمن قبل أن يموت ، وقال بعضهم : قتل الأنبياء ، وحرّق الكتب ، وخرّب بيت المقدس ، فلن تقبل منه التوبة . وقيل : إن بختنصّر لما قتل بني إسرائيل وخرّب بيت المقدس ، وسار بسبايا بني إسرائيل إلى أرض بابل ، فسامهم سوء العذاب ، فأراد أن يتناول السماء ، فجمع بني إسرائيل وعظماء أهل بابل ممن عنده علم ، فقال لهم : إنّي قد قهرت أهل الأرض ، فأريد أن أتناول ملك السماء ، فهل عندكم علم أو حيلة أصعد إلى السماء ؟ فقالوا : لا . فقال لهم : انطلقوا فاطلبوا لي حيلة أصعد بها إلى السماء . فسلّط اللّه عليه بعوضة ، فدخلت منخره ، فوقعت في دماغه فلم تزل البعوضة تعذّبه وتأكل دماغه ، فلم يزل ينطح رأسه على الحجر حتى مات ، ثم أوصى أن شقّوا هامته فينظروا ما كان فيه . قال : ففعلوا ، فرأوا قدرة اللّه ، فإذا هم ببعوضة قد تعلّقت بدماغه . واللّه أعلم أي ذلك كان . قالوا : وملك بختنصّر خمس وأربعون سنة ، منها تسع عشرة سنة قبل خراب أورشلم - وهي بيت المقدس - وسباء بابل ، وست وعشرون سنة بعد الخراب . قالوا : كان أمره بعد ما رفع عيسى بن مريم ، وقيل : كان قبل عيسى بن مريم ، وقيل : كان قبل الإسكندر والمسيح بأكثر من ثلاث مائة سنة . قالوا : ومن زمن آدم إلى سبي بابل أربعة آلاف وتسع مائة وثمان عشرة سنة .