ابن عساكر

349

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

ولكن ننطلق إلى ملك مصر « 1 » ، فنستجيره ، وندخل في ذمته . فقال إرميا : ذمّة اللّه أوفى الذّمم لكم ، وإنكم لا يسعكم أمان أحد في الأرض إن أخافكم اللّه ، وإن أمان اللّه هو أوسع لكم . قالوا : إن الأمر كما تقول ، لو كان اللّه راضيا عنا ، ولكن اللّه ساخط علينا ، ولسنا نأمن سطوته أن يسلمنا إلى عدوّنا ، فانطلقوا إلى ملك مصر . فأوحى اللّه إلى إرميا أنهم لو أطاعوا أمرك ثم كنت أطبقت عليهم السماء والأرض ، لجعلت لهم من بينهما مخرجا ، وما كنت لأخفرك لو أطاعوك ، وإنّي لأقسم بعزّتي لأعلمنّهم أنه ليس لهم ملجأ ولا محيص إلّا طاعتي ، واتّباع أمري ، فلما وردوا على ملك مصر شكوا إليه شأنهم . فقال : أنتم في ذمّتي وجواري ، فسمع بذلك بخت‌نصّر ، فأرسل إلى ملك مصر أن لي قبلك عبيدا أبقوا « 2 » مني ، فابعث بهم إليّ مصفّدين وإلّا فأذن بحرب ، فكتب إليه ملك مصر : إنك كاذب ما هم بعبيد . إنهم أبناء الأحرار ، وأهل النبوّة والكتاب ، ولكنك ظلمتهم واعتديت ، فلما سمع بذلك إرميا رحمهم ، فبادر إليهم ليشهدهم . فأوحى اللّه إليه : إني مظهر بخت‌نصّر على هذا الملك الذي اتخذوه حرزا « 3 » . فقال لهم ذلك إرميا ، فإن لم تطيعوني أسركم بخت‌نصّر وقتلكم ، فإنّ آية ذلك أن اللّه قد أراني موضع سرير بخت‌نصّر الذي يضعه فيه بعد ما يظفر بمصر وملكها ، ثم عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع بخت‌نصّر فيه سريره ، ثم قال : تقع كلّ قائمة من سريره على حجر منها . قال : فلجّوا في رأيهم ، فسار بخت‌نصّر ، فأسر الملك « 4 » وبني إسرائيل ، وقتل جنوده ، وقسم الفيء ، وأراد قتل الأسارى وقد وضع سريره في ذلك الموضع ، فوقعت كلّ قائمة منه على حجر من تلك الأحجار التي دفن إرميا . فقال له بخت‌نصّر : ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمّنتك وأكرمتك ؟ ! قال له إرميا : إنما جئتهم محذّرا أخبرتهم خبرك ، وقد وضعت لهم علامة من تحت سريرك ، وأيتهم هذا المكان الذي يوضع فيه سريرك ، فإنّ تحت كل قائمة حجرا دفنته ، فلما رفع سريره وجد مصداق ما قال ، فقال لإرميا : لو أعلم أن فيهم خيرا لوهبتهم لك ، وما بي إلى قتلهم من حاجة ، ولكن أقتلهم غضبا

--> ( 1 ) انظر الخبر في تاريخ الطبري 1 / 316 والبداية والنهاية 1 / 490 ، 491 ( ط دار الفكر ) . ( 2 ) أبق العبد أبقا ذهب بلا خوف ولا كدّ عمل . وأبق العبد : إذا استخفى ثم ذهب ، فهو آبق ( تاج العروس : أبق ) . ( 3 ) الحرز : بالكسر ، العوذة ، والموضع الحصين ، وحرزه : حفظه ( تاج العروس : حرز ) . ( 4 ) كذا جاء في مختصر ابن منظور ، والذي في تاريخ الطبري أن بختنصر غزا ملك مصر وقتله 1 / 316 ، وفي البداية والنهاية 1 / 491 قاتله وقهره وغلبه .