ابن عساكر

111

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

في ذلك فوق ما قدرته عندي ، فجمع المأمون بين أحمد بن أبي دؤاد وبين المعتصم وقال : قد اخترت لك هذا الرجل ، فضمّه إليك ، فأخذه المعتصم . فلما بلغوا الأنبار وافت كتب البريد بموافاة المعتصم للأنبار ، فقال المأمون ليحيى : ترى ما كان من بغداد إلى الأنبار خبر يكتب به صاحبك إليك ؟ فقال يحيى : لعله يا أمير المؤمنين لم يحدث خبر تجب المكاتبة به . وكتب يحيى إلى أحمد يعنّفه ويخبره إنكار أمير المؤمنين تأخّر كتبه ، فوقف أحمد على الكتاب واحتفظ به ولم يجب عنه ، وشخص المعتصم حتى وافى الرحبة « 1 » ، ولم يكتب أحمد بحرف واحد من أخبار المعتصم ، وكتب أصحاب البريد بموافاة المعتصم للرحبة وأخبار عسكره ، فتضاعف إنكار المأمون على يحيى ، وكتب يحيى إلى أحمد وأغلظ له المخاطبة وأسمعه المكروه ، فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به . وسار المعتصم من الرحبة حتى وافى الرقة « 2 » فتضاعف إنكار المأمون على يحيى وقال له : يا سخين العين « 3 » ، هذا مقدار رأيك وعقلك اللئيم إلّا أن تكون غررتني متعمدا . فكتب إلى أحمد كتابا يشتمل على إيعاد ، وإرهاب ، وتحذير ، وتخويف ، وخاطبه بأفحش مخاطبة ؛ فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به . وأمر المأمون عمرو بن مسعدة « 4 » أن يكتب إلى المعتصم يأمره بالبعثة بأحمد بن أبي دؤاد مشدودة يده إلى عنقه مثقلا بالحديد محمولا على غير وطاء « 5 » ، فورد الكتاب على المعتصم . ودخل أحمد بن أبي دؤاد إليه وهم بالرّقّة ما جاوزوها ، فرأى المعتصم كئيبا ، مغموما ، فقال : أيها الأمير ، أراك مفكرا ، وأرى لونك حائلا . فقال : نعم ، الكتاب ورد عليّ من أجلك ، ونبذ إليه بالكتاب ، فقرأه أحمد ، فقال له المعتصم : تعرف لك ذنبا يوجب ما كتب به

--> ( 1 ) الرحبة : يعني رحبة مالك بن طوق بينها وبين بغداد مائة فرسخ ، وإلى الرقة نيف وعشرون فرسخا ، وهي بين الرقة وبغداد ( معجم البلدان ) . ( 2 ) الرقة : بفتح أوله وثانية وتشديده ، مدينة مشهورة على الفرات . ( 3 ) سخين العين : سخنة العين نقيض قرّتها ، وقد سخنت سخنا وسخونا وسخنة ، فهو سخين العين ، وأسخن اللّه عينه وبعينه أي أبكاه ، نقيض أقرّ اللّه عينه . ( تاج العروس : سخن ) . ( 4 ) هو عمرو بن مسعدة بن سعد بن صول ، أبو الفضل ، كان فصيحا قوي المواد في الإنشاء ، عمل وزارة المأمون ، وله نظم جيد ، انظر ترجمته في تاريخ بغداد 12 / 203 . ( 5 ) الوطاء : الوطيء من كل شيء ما سهل ولان ، وفراش وطئ لا يؤذي جنب النائم . تاج العروس : وطأ .