الحسين بن نصر ابن خميس
558
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
عنده تلك اللّيلة ، وخرجنا من الغد ، وخرج معنا الأعرابي بفضل الطّعام الذي كان بقي عنده ، وسرنا حتّى وصلنا إلى المرحلة ، فقدّم الأعرابي الطّعام الذي صحبه ، فأكلته أنا والأعرابي ، ولم يأكل إبراهيم منه شيئا حتّى وصلنا إلى المدينة أو قال مكّة ، واللّه أعلم « 1 » . وروي : أنّه كان إذا دعي إلى دعوة ، فرأى فيها خبزا بايتا ، أمسك يده ، ولم يأكل « 2 » ، ويقول : هذا خبز قد منع منه حقّ اللّه ؛ إذ بيّت ولم يخرج من يومه . وقال : حججت سنة من السّنين ، فبينما أنا أمشي مع أصحابي إذا عارضني عارض من سرّي يقتضي الخلوة ، وأخذ غير الطّريق الجادّة ، قال : فأخذت طريقا غير الطّريق الجادة الذي عليه النّاس ، فمشيت ثلاثة أيام ولياليهن ما خطر على سرّي ذكر طعام ولا شراب ولا حاجة ، فوقعت إلى بريّة خضراء ، فيها من كلّ الثّمار والرّياحين ، فرأيت في وسطها بحيرة ، فقلت : كأنّها الجنّة . قال : فبقيت متعجّبا ، فبينا أنا كذلك أتفكّر إذا أنا بنفر قد أقبلوا ، سيماهم سيما الآدميين ، عليهم المرقّعات الحسان والفوط الملاح ، فحفّوا بي ، وسلّموا عليّ ، فقلت : وعليكم السّلام ورحمته وبركاته ، أين أنا وأنتم ؟ ثمّ وقع في خاطري بعد سؤالي لهم أنّهم من الجنّ ، فإنّ البقعة بقعة غريبة ، قال قائل منهم : قد جرت بيننا مسألة ، واختلفنا ونحن نفر من الجنّ ، قد سمعنا كلام اللّه تعالى من محمّد عليه السّلام ليلة الجنّ « 3 » ، وسلبنا نعمة « 4 » كلامه أمور الدّنيا ، وقد قيّض اللّه تعالى لنا هذه البحيرة ، ونهيم في هذه البريّة ، يحمل بعضنا بعضا . قلت :
--> ( 1 ) المختار 1 / 202 ، 203 . ( 2 ) في ( أ ) : ولم يزل يأكل . ( 3 ) ليلة الجن هي الليلة التي ذهب بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع الجن ، فقرأ عليهم القرآن ، وأجابهم على أسئلتهم كما جاء في صحيح مسلم ( 450 ) . ( 4 ) في روض الرياحين : وسلبتنا نغمة .