الحسين بن نصر ابن خميس
755
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
حتى عبرنا ، وخرجنا في مكان يقال له دوسر « 1 » ، والغلام معي ، فقمت أنا إلى صلاة أصلّيها ، وكان فيهم من يقرأ قراءة طيّبة ويقول « 2 » ، فقعد الغلام مع القوم يسمع ، ثمّ انزعج واضطرب ، وقام فرمى بنفسه في الماء ، وشقّ الفرات شقّا كأنّه سهم ، وأنا أومئ إلى أصحابنا وأسبّح ، فرأيته كأنّه على رفرف جالس حتّى عبر الفرات ، ونحن ننظر إليه ، وقد تحيّرنا في أمره ، وتعجّبنا من حاله ، فبقي الغلام من ذلك الجانب ، وتغيّر عليه الحال وفتر ، فاكتريت له زورقا بدرهمين حتّى عبرت به إلينا ، فنظرنا إلى ثيابه ، فإذا أسفل حقويه « 3 » رطب ، والباقي جافّ لم يبتلّ « 4 » . وقال : إنّ اللّه تعالى دعا الخلق إلى توحيده ، والإيمان به تصديقا بالقلب ، وتحقيقا باللّسان « 5 » ، ومباشرة الأعمال بالجوارح ، فهذا هو الإيمان . وقال : كنت أقرأ القرآن ، حتّى بلغت إلى قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ يونس : 22 ] ، فعملت بحقيقة هذه الآية في البرّ عشر سنين ، فما تركت شيئا من المخلوقات ولا من المهالك إلّا رميت نفسي فيه الحرّ والبرد ، والجوع والعطش والسّباع « 6 » ، وكان اللّه بلطفه بي وإحسانه إليّ ينجيني من ذلك كلّه ، فلمّا كان بعد عشر سنين ، قلت في نفسي : بقي البحر . فقلت في نفسي : ألق الآن نفسك في البحر « 7 » . فجئت إلى صخرة مطلّة على البحر ، فقلت في نفسي : ارم الآن نفسك في البحر . فرأيتها بعد هذه السّنين قد عجزت ، وتوقّفت ، فبكيت وتضرّعت إلى اللّه ، والتجأت
--> ( 1 ) دوسر : قرية قرب صفين على الفرات ، وقيل هي قلعة جعبر . معجم البلدان . ( 2 ) أي إنه قوّال للشعر . ( 3 ) الحقو : الإزار ويكسر ، أو معقده ، القاموس . ( 4 ) المختار 1 / 263 . ( 5 ) في ( أ ) : وتحقيقها باللسان . ( 6 ) في ( أ ) : والشباع . ( 7 ) قوله : فقلت في نفسي : ألق . . . البحر ليس في ( أ ) .