الحسين بن نصر ابن خميس
710
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
ثمّ طولبت بالمسير إلى الثّغر ، فسرت حتّى دخلت قرية ، وكان ذلك يوم جمعة ، فوجدت في صحن الجامع قاصّا يتكلّم على النّاس ، وحوله حلقة ، فوقفت بينهم أسمع ما يقول ، فذكر قصّة زكريا عليه السّلام ، والمنشار ، وما كان من خطاب اللّه تعالى لزكريا حين هرب منهم ، فنادته الشّجرة : إليّ يا زكريا . فانفرجت ، فدخلها ، وانطبقت عليه ، ولحقه العدوّ « 1 » ، فتعلّق عباءته ، وناداهم : إليّ هذا زكريا ، ثمّ أخرج لهم حيلة المنشار ، فنشرت الشّجرة حتّى بلغ المنشار رأس زكريا فأنّ منه أنّة ، فأوحى اللّه إليه : يا زكريا لئن صعدت منك أنّة ثانية ، لأمحونّك من ديوان النّبوة . فعضّ زكريا على الصّبر حتّى قطع شطرين ، فقلت في نفسي : لقد كان زكريا صبّارا ، إلهي وسيّدي لئن ابتليتني لأصبرنّ . وسرت حتّى دخلت أنطاكية ، فرآني بعض إخواني ، وعلم أني أريد الثّغر ، فدفع إليّ سيفا وترسا وحربة للسبيل ، فدخلت الثّغر ، وكنت حينئذ أحتشم من اللّه أن آوي إلى وراء السّور خيفة من العدو ، فجعلت مقامي في غابة ، أكون فيها بالنّهار ، وأخرج باللّيل إلى شاطئ البحر ، فأغرز الحربة على السّاحل ، وأسند التّرس إليها محرابا ، وأتقلّد سيفي ، وأصلّي إلى الغداة ، فإذا صلّيت الصّبح ، غدوت إلى الغابة « 2 » ، فكنت فيها نهاري أجمع ، فنظرت في بعض الأيام إلى شجرة بطم « 3 » قد بلغ بعضه ، وبعضه أحمر وبعضه أخضر ، وقد وقع عليه النّدى ، وهو يبرق ، فاستحسنته ، وأنسيت العهد مع اللّه تعالى وقسمي به : إنّي لا أمدّ يدي إلى شيء ممّا تنبته الأرض . فمددت يدي إلى الشّجرة ، فقطعت منها عنقودا ، وجعلت
--> ( 1 ) العدو هو الشيطان لعنه اللّه . ( 2 ) في ( ب ) : عدت إلى الغابة . ( 3 ) البطم : الحبة الخضراء ، أو شجرها ، ثمره في عناقيد كالفلفل ، حبها مفرطح ، مسخن ، مدرّ باهي ، نافع للسّعال واللقوة والكلية . القاموس ، متن اللغة .