الحسين بن نصر ابن خميس

624

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار

فقلت : فمن أين سمّيت به ؟ فقال : كنت عاهدت اللّه تعالى ، واعتقدت أن لا آكل رطبا أبدا ، فغلبتني نفسي يوما ، فأخذت نصف رطل رطبا ، فلمّا أكلت واحدة ، فإذا رجل ينظر إليّ ، فقال لي : يا خير ، يا آبق ، هربت منّي ؟ وكان له غلام هرب منه اسمه خير ، فوقع عليّ شبهه وصورته ، فأخذ يخنقني ، واجتمع النّاس ، فقالوا : هذا واللّه غلامك خير . فبقيت متحيّرا بماذا أتحدّث ، وعرفت سبب جنايتي « 1 » ، وهو أكل الرّطب . فحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلمانه ، فقالوا لي : يا عبد السّوء ، تهرب من مولاك ؟ ادخل واعمل عملك الذي كنت تعمل . وأمرني بنسج الكرابيس « 2 » ، فدلّيت رجلي في بئر العمل ، وأخذت الآلة ، فكأنّي كنت أعمل من سنين ، فبقيت معه عدّة من الشّهور أنسج له ، فقمت ليلة ، وتوضّأت ، وصلّيت صلاة الصّبح ، وسجدت ، وقلت : إلهي ، لا أعود إلى ما فعلت . ثمّ أصبحت ، وإذا الشّبه قد ذهب ، وعدت إلى صورتي التي كنت عليها ، فأطلقني ، وثبت هذا الاسم عليّ . وكان سبب النّسج اتّباعي لشهوة عاهدت اللّه أن لا آكلها ، فعاقبني اللّه بذلك « 3 » . وروي : أنّه كان كثير الأمر بالمعروف ، والنّهي عن المنكر ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ولا يزعجه ما يلقى من الأذى في ذلك ، فلمّا كثر عليه الأذى في وقت من الأوقات ، قال : فقصّرت عن ذلك وتجنّبته ، وخرجت من المدينة التي كنت فيها كالهارب ، فمررت بقرية فيها دكاكين ، فجلست على باب دكّان لحائك ، فخرج إليّ صاحب الطّراز ، فلطمني وقال : يا مبارك ، أين كنت ، قد فررت منذ أربعة أشهر ، قال : فنظرت إلى نفسي ، وإذا أنا أسود بشعر مفلفل ، فأخذ بيدي ، فأدخلني إلى طرازه ، واجتمع قومه وأصحابه يهنئونه بي ، فأقعدني في العمل أنسج له ، فكنت أنسج له

--> ( 1 ) في ( ب ) : سبب خيانتي . ( 2 ) الكرابيس : جمع كرباس بالكسر ، ثوب القطن الأبيض . معرّب . القاموس . ( 3 ) حلية الأولياء 10 / 307 ، المختار 2 / 260 .