الحسين بن نصر ابن خميس
612
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
إذا شاب بيده ركوة ، وعليه مرقّعة ، وهو قائم تحت القصر يسمع ، فقال : يا جارية ، بحياة مولاك أعيدي : كلّ يوم تتلوّن * غير هذا بك أجمل فقال لها مولاها : قولي . فقالت وأعادت ، فقال الفقير : هذا واللّه تلوّني مع الحقّ ، وشهق شهقة خرجت روحه ، فقال صاحب القصر للجارية : أنت حرّة لوجه اللّه . وخرج أهل البصرة فغسّلوه ، وكفّنوه ، وصلّوا عليه ، ودفنوه ، فقام صاحب القصر ، وقال : أليس تعرفوني ؟ أشهدكم أنّ كلّ شيء لي في سبيل اللّه ، وكلّ مماليكي أحرار . ثمّ اتّزر بإزار وارتدى برداء ، وتصدّق بالقصر وبكلّ ما فيه ، ولم يروا له بعد ذلك وجها ، ولا عرفوا له خبرا « 1 » . وقال إبراهيم بن المولّد : دخلت يوما على إبراهيم القصار ، فقال : ادع لي فلانا القوّال ، صبيّ كان بالرّقّة . فدعوته له ، فقال له : غنّ الأبيات التي كنت تغنّيها بالأمس في باغ فلان « 2 » ، فأخذ الصّبيّ يغني . إذا كنت تجفوني وأنت ذخيرتي * وموضع شكواي فما أنا صانع نهاري نهار النّاس حتّى إذا بدا * لي اللّيل هزّتني إليك المضاجع أقضّي نهاري بالحديث وبالمنى * ويجمعني والهمّ باللّيل جامع « 3 » قال : فأخذ الشّيخ يبكي ويقول : وا شوقاه إلى من هذا وصفه ! وإلى زمان كشف لنا فيه عن بوادي هذه الأحوال ! « 4 »
--> ( 1 ) الرسالة القشيرية 479 ( السماع ) ، المختار 5 / 302 ، روض الرياحين 206 ( الحكاية : 125 ) . وفي ( ب ) : بعد ذلك له وجها . ( 2 ) الباغ : كلمة فارسية معناها : البستان والحقل والروضة . ( 3 ) البيتان الثاني والثالث في ديوان مجنون ليلى صفحة 185 . ( 4 ) المختار 1 / 257 .