الحسين بن نصر ابن خميس
51
مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار
وقيل له : لم لا تكتب العلم ؟ فقال : شغلني شكر النّعمة وخوف العاقبة ، والعمل لما بعد الموت « 1 » . وقال أحمد بن عبد اللّه صاحب إبراهيم بن أدهم : كان إبراهيم من أبناء الملوك بخراسان ، فبينا هو مشرف ذات يوم من قصره ، إذ نظر إلى رجل بيده رغيف يأكله في فيء القصر ، فاعتبر ، وجعل ينظر إليه حتّى أكل الرّغيف ، ثمّ شرب الماء ، ثمّ نام ، فألهم اللّه إبراهيم الفكر فيه ، فوكّل به بعض غلمانه ، وقال له : إذا قام هذا من نومه ، فجئني به ، فلمّا قام الرّجل من نومه ، قال له : صاحب هذا القصر يريد أن يكلّمك . فدخل إليه مع الغلام ، فلمّا نظر إليه إبراهيم ، قال له : أيّها الرّجل ، أكلت الرّغيف وأنت جائع ؟ قال : نعم . قال : فشبعت ؟ قال : نعم . قال إبراهيم : وشربت تلك الشّربة من الماء ورويت ؟ . قال : نعم : قال : ونمت طيّبا بلا شغل ولا همّ ؟ قال : نعم . قال إبراهيم : فقلت في نفسي : فما أصنع أنا بالدّنيا ، والنّفس تقنع بما رأيت ؟ قال : فخرج إبراهيم سائحا على وجهه إلى اللّه ، فلقيه رجل حسن الوجه ، حسن الثّياب ، طيّب الرّيح « 2 » ، فقال له : يا غلام ، من أين ، وإلى أين ؟ فقال إبراهيم : من الدّنيا إلى الآخرة . فقال : يا غلام ، أنت جائع ؟ فقال : نعم . فقام الشّيخ فصلّى ركعتين خفيفتين ، وسلّم ، فإذا عن يمينه طعام ، وعن شماله ماء ، فقال لي الشيخ : كل . فأكلت بقدر شبعي « 3 » ، وشربت بقدر ريّي ، ثمّ قال لي الشّيخ : اعقل وافهم ، ولا تحزن ولا تستعجل ؛ فإنّ العجلة من الشّيطان ، وإيّاك والتّمرّد على اللّه عزّ وجلّ ، فإنّ العبد إذا تمرّد على اللّه تعالى أورث اللّه قلبه الظّلمة والضّلالة ، مع حرمان الرّزق ، ولا يبالي اللّه في أيّ واد هلكك ، يا غلام ، إنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا جعل في قلبه سراجا يفرق بها بين الحقّ والباطل ،
--> ( 1 ) تاريخ دمشق 6 / 292 . ( 2 ) في ( أ ) : نقي الثياب ، طيب الرائحة . ( 3 ) في ( أ ) : بقدر ما يكفيني .