ابن الأمين

44

الاستدراك على الاستيعاب

أصحابها طولوا في ذكر الأنساب ، وأكثروا من إيراد الروايات الحديثية ، وفاتهم أن يتقصوا أخبارهم وأحوالهم ، فارتأى أن يجمع بين هذه المعارف ويخرجها لطالبيها شرابا خالصا ، وهو في هذا يكون قد انتهج منهجا علميا قائما على الملاحظة والجمع والتقصي والتنقيح خلافا لمنهج سابقيه في الكتب التي كانت متداولة خصوصا في ميادين الحديث . ويزيد دعامة لمنهجه العلمي استعماله لألفاظ الجرح والتعديل لنقد الرواة ونقد الأسانيد والترجيح بين الروايات . وقد أفصح أبو عمر في خطبة استيعابه عن منهجه ، وأشار إلى أهم المصادر التي استقى منها مادته الأصلية ، والشيوخ الذين حدث عنهم أو قرأه عليهم ، يقول أبو عمر : ( وقد جمع قوم من العلماء في ذلك وأكثروا من تكرار الرفع في الأنساب ومخارج الروايات ، وهذا وإن كان له وجه ، فهو تطويل على من أحب علم ما يعتمد عليه من أسمائهم ومعرفتهم ، وهو مع ذلك شيء ليس عند صاحبه ، فرأيت أن أجمع ذلك وأختصره وأقربه على من أراده . واعتمدت في هذا الكتاب على الأقوال المشهورة عند أهل العلم بالسير ، وأهل العلم بالأثر والأنساب ، وعلى التواريخ المعروفة التي عليها عول العلماء في معرفة أيام الإسلام وسير أهله ) « 13 » . وقال في موضع آخر : ( وقد ذكرنا أنساب القبائل من الرواة من قريش والأنصار وسائر العرب في كتاب " الإنباه على القبائل الرواة " ، وجعلناه مدخل هذا الكتاب ليغنينا عن الرفع في الأنساب ، ويعيننا على ما شرطناه من الاختصار والتقريب ) « 14 » . فبين الاستيعاب والإنباه إذن علاقة وطيدة ، كل منهما يكمل الآخر ، وذلك بالنسبة للمتخصصين في هذا الميدان .

--> ( 13 ) ابن عبد البر : الاستيعاب 1 / 19 - 20 . ( 14 ) ابن عبد البر : الاستيعاب 1 / 24 - 25 .