ابن بسام

95

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

حولهم يطردون الأذبّة عن مجلسهم بطوال المذابّ البديعة الصنعة ، المقمّعة الأطراف بفاخر الحلية . ولما مضى لهم صدر من أكلهم ، نجم لهم الأمير المأمون قائما فوق رؤوسهم ، متهمّما بشأنهم ، مبالغا في تكريمهم ، قد حفّ به أذواء الوزارة وأهل الخدمة وأكابر الفتيان وأعاظم القوّاد قائمين بقيامه . ولما قضى وطرا من القيام بمكارمتهم صدر راجعا إلى مرتبته . ولما فرغت تلك الطائفة جيء بهم إلى المجلس المرسوم لوضوئهم ، وقد فرش أيضا بوطاء الوشي المرقوم بالذهب ، وعلّقت فيه ستور مثقّلة مماثلة ، فأخذوا مجالسهم منه ، وناولهم الوصفاء الطائفون بهم رفيع النقاويّات [ 1 ] والذّرائر المطيّبات في الأقداح والأشناندانات [ 2 ] الفضيات المحكمة الصناعات ، كادت تغنيهم بطيبها عن الغسل . ثم أدني إليهم إثر ذلك الوضوء في أباريق الفضة المحكمة الصنعة ، يصبّون على أيديهم في طسوس الفضّة المماثلة لأباريقها في الحسن والجلالة ، فاستوعبوا الوضوء وأدنيت من أيديهم مناديل يتضاءل لها ما عليهم من سنيّ الكسوة . ثم نقلوا إلى مجلس التطيب أفخم تلك المجالس ، وهو المجلس المطل على النهر العالي البناء ، السامي السناء ، فشرع في تطييبهم في مجامر الفضة البديعة بفلق العود الهندي ، المشوبة بقطع العنبر الفستقي ، بعد أن ندّيت أعراض / ثيابهم بشآبيب ماء الورد الجوري ، يصبّ فوق رؤوسهم من أواني الزجاج المجدود [ 3 ] ، وفيّاشات [ 4 ] البلّور المحفور ، ثم أدني إليهم قوارير المها [ 5 ] المحكمة الصّنعة ، الرائقة الهيئة ، قد أترعت بالغوالي الذكيّة ، النّامّة بسرّها قبل الخبرة ، المتخذة من خالص المسك التّبّتي ، ومحض العنبر المغربيّ ، لاءم بينها رشح البان البرمكي [ 6 ] ، فتناولوا من ذلك حتى لأقطرت سبالهم ذوبانا ، وأعادت شيبهم شبّانا ، فلمّا

--> [ 1 ] إعجام هذه اللفظة مضطرب في ص ؛ والسياق يدل على أنواع من الأدوات التي تتخذ لغسل الأيدي كالصابون وغيره . وعند دوزي أن « نقاي » تعني منشفة ولكن يبدو أنها ليست من استعمال الأندلسيين . [ 2 ] ص : والأشنان ، وهو مادة مطيبة لغسل الأيدي بعد الطعام ، ولكن المقصود هنا هو الأوعية التي تحتوي الأشنان وهي الأشناندانات . [ 3 ] من معاني « المجدود » : المقطوع ( فلعله يعني زجاجا مخروطا على أشكال ) أو زجاجا ملونا لأن فيه جددا ( طرائق ) من الألوان . [ 4 ] الفياشات ( في الأندلس والمغرب ) : جمع فياشة وهي القنينة Bouteille , flacon ، قاله دوزي . [ 5 ] المها : البلور . [ 6 ] عند دوزي : البخور البرمكي ، ولكنه لم يعلل هذه التسمية ، وعند ابن الحشاء ( 17 ) بان : شجر معروف بالمشرق ويجلب ثمره ودهنه . ولعل وصفه بأنه برمكي مبالغة في تقدير جودته .