ابن بسام
93
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
هذا الرجل إذ لم يكن له في سواه آية تتلى ، ولا حسنة تجتلى . / قال ابن حيّان : كتب إليّ الأديب ابن جابر ، قال : احتفل المأمون ابن ذي النّون في مدعاة إعذار حفيده يحيى فحشد أمراء البلاد ، وجملة الوزراء والقوّاد ، فأقبلوا إليها كالقطا القارب أرسالا ، وقد رسم لخدمته في توسيع مشارب هذا الإعذار ، وإرغاد موائده ، وتكميل وظائفه ، وإذكاء مطابخه ، رسوما انتهوا فيها إلى حدّه ، وشقّق عليها جيوب أكياسه ، وأمر بالاستكثار من الطّهاة والإتآق للقدور ، والإتراع للجفان ، والصّلة لأيام الطعام ، والمشاكلة بين مقادير الأخباز والآدام ، والإغراب في صنعة ألوانها مع شياب [ 1 ] أباريقها بالطّيوب الزكيّة ، والقرآن فيها بين الأضداد المخالفة ما بين حارّ وبارد ، وحلو وحامض ؛ والمماثلة بين رائق أشخاصها وبين ما تودع فيه من نفائس صحافها ، والاستكثار لها من أنواع الحلواء المجيرة [ 2 ] للمعد من داء الإتخام ، وتجاوز عسليّها إلى السكر . فجاءوا في ذلك كلّه بأمر كبار أبيدت لمطابخه أمم من الأنعام ، جمع فيه بين المشّاء [ 3 ] والطيّار والعوّام ، وانتسفت لمخابزه أهراء من الطعام ، وأنفقت على مجامره ومعاطره جمل من الأموال الجسام ، فاغتدى جماعا [ 4 ] لمداعي أهل الإسلام العظام . وشرّف المأمون بالاشتراك مع تطهير حفيده يحيى صبيانا من بني أصحابه ، وبدأ بحفيده قبلهم ، فكان أسكن من حنف معه جأشا ، وأقلّهم / زمعا [ 5 ] ، وإنّه مشى - زعموا - إلى الحديد مشي البطل النّجيد ، ومكّن الخاتن من عضوه فأعانه على إحكام صنعه ، وسوّى ختانه ، وخفف آلامه ، وأوشك إفراقه [ 6 ] ، فخلص من محنته هذه الشرعيّة ، خلوص صادر السّهام المصمي للرميّة ، فسرّ ابن ذي النون وشام برق الأمنيّة ، فعند ذلك أذكى نيرانه ، وأنضج أطعمته ونصب موائده ، ودعا الجفلى إليها ، ولم يفسح لأحد التخلّف عنها . فاكتملت الأطعمة ، وفتحت الأبواب ، وسهّل الحجاب ، ورفعت السّتور ، وجليت المقاصير ، وزيّنت القصور ، وأقيمت المراتب ، ووكّل بكلّ قسم منها كبير من وجوه الخدمة ضمّ إليه فريق من الأعوان والوزعة ، يتصرّفون بأمره ، ويقفون عند
--> [ 1 ] ص : شباب . [ 2 ] ص : المجبرة . [ 3 ] ص : الشا . [ 4 ] قد تكون صورة اللفظة أقرب إلى « جماما » . [ 5 ] حنف : في هذا الموضع بمعنى ختن ؛ والزمع : القلق والجزع . [ 6 ] ص : أفراقه ؛ والإفراق : البرء ؛ وكل عليل أفاق من علته فقد أفرق .