ابن بسام

63

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

هديّة وعدّة من أسارى الأندلس طير [ 1 ] عليهم بأطراف جزائره البحريّة ، فسرّ عبد الملك بذلك ، وإذا كتابه مكتوب بالذهب على رسم ملوك الروم الذي فات الصنعة . وذكر صاعد ورود ذلك الرسول في شعر قال فيه : زلزلت بالمرهفات صاحب قس * طنطين حتى اتّقاك بالكتب يطلب فيها رضاك مجتهدا * من قبل أن يتّقيك بالهرب فليس بالفائت البعيد مع اللّ * ه إذا [ ما ] هممت بالطلب وتمادى استعداد شانجه سرّا لغزو عبد الملك فسابقه [ 54 ] سنة سبع وتسعين ، وظهر المسلمون عليهم . ثمّ قفل إلى قرطبة آخر ذي الحجّة منها . ثمّ غزا سنة ثمان غزوته الأخيرة في شوال ، فاعتلّ في مدينة سالم ، ورجع إلى قرطبة محرّم سنة تسع وتسعين ، فكانت آخر غزاة نفدت إلى بلاد الحرب لو شكان موته في صفر منها . وضبط أخوه عبد الرحمن الأمر بعده لنفسه . فصل في ذكر الوزير أبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدارمي [ 2 ] وإثبات جملة من أشعاره مع ما يتشبّث بها من طريف أخباره : بلغني أنه خرج من بغداد إذ مات أبوه ، وأساء عشرته أخوه ، وسنّه دون العشرين ، فلحق بالأمير محمود [ 3 ] ، وشهد حروبه بأرض الهنود ، وله فيه غير ما قصيد . إلى أن توفّي فولي أكبر ولده بعده [ 4 ] ، فبقي أبو الفضل على حاله عنده ، إلى أن خرج بعض إخوته عليه . فنهض لحربه ، فدبّر [ 5 ] وزراؤه في طريقه الفتك به ، وشاوروا أبا الفضل في القضية ، فأبى من تلك الدّنيّة ، وأودع أذن الأمير ، ذلك التدبير . فخاف وزراؤه أن يفتضحوا ، وعاجلوه قبل أن يصبحوا ، وقيّدوه قبل أن يقدم أخوه ، فسبقهم أبو الفضل إليه ، ونصّ ما فعلوه بأخيه عليه . فشكر له وفاءه لصاحبه ، وقال : الوفاء حلية الأحرار ،

--> [ 1 ] طير : لعله يعني أنه افتك أولئك الأسرى عن طريق المراسلة السريعة . [ 2 ] محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي ( 388 - 454 أو 455 ) ؛ له ترجمة في الجذوة : 68 ( البغية رقم : 209 ) ، ونفح الطيب 3 : 111 - 116 وله ذكر عارض في المغرب 2 : 12 ، وانظر : بدائع البداية : 308 - 309 ، 364 ، وتتمة اليتيمة 1 : 64 ، والوافي 4 : 67 ، ومعالم الإيمان 3 : 194 - 196 . [ 3 ] يعني محمودا الغزنوي ( - 421 ) . [ 4 ] هو جلال الدولة محمد بن محمود ، وقد ثار عليه أخوه مسعود وسمل عينيه وانتزع السلطة من يده ، وفي هذا ما يخالف كلام ابن بسام فيما يلي . [ 5 ] ص : فدبروا .