ابن بسام

61

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وزهد صاحبهنّ بأشياء توجّهت على أموالهن من قبلها أعظم حيلة ، ولهجن مع ذلك بطلب ذوي الأسماء الغريبة من الناس ، الموافقة أسماؤهم لمن اجتباه اللّه من خلقه ، مثل عبد النور وعبد السميع وعبد اللطيف وعبد المؤمن وحزب اللّه ونصر اللّه وفضل اللّه ، ومثل ياسين واليسع ومن جانسه ، يصير الرجل من هؤلاء في الحاشية ، ويستعمل على وكالة جهة ، ولا يبعد أن يتموّل في أقرب مدّة ، وإن اتّفق مع ذلك أن يكون ذا لحية عثوليّة [ 1 ] ، وصاحب سبال وهامة ، فقد تمّت له السعادة ، ولا سيّما إن كانت لحيته حمراء قانية ، فإنّها أجدى عليه من دار البطّيخ غلّة ، ثم لا يسأل عمّا وراء روائه من أصل ولا فضيلة ، ولو كان مردّدا في بني اللخناء [ 2 ] ، وعاريا من جميع الخصال . والأخبار في مثل هذا عنهن كثيرة [ 53 ] مأثورة . فباهت حرم هشام بمثل [ 3 ] هذه المعاني الشاذّة ، وبذلن [ من ] الأموال في التماسها بما لم يسمع مثلها ، ولم تزل الدولة / تزداد انهماكا إلى أن مات عبد الملك ، وكبت كبوة لم تستقلها آخر الدهر . قال ابن حيّان : وكانت ولاية عبد الملك وفرق النصرانيّة بأسرها منتقضة ، وعهدها قريب بالاجتماع على المسلمين ، وأطماعها بموت حتفها المنصور ثابتة . وكانت الإفرنجة في آخر وقت المنصور قد تمسّكت بالمسالمة ، فلمّا سمعت بموته طمعت ، واحتاج عبد الملك إلى التثاقل عنهم توطيدا للحضرة ، إلى أن اعتدلت فيها الدولة ، وأخبار الثغور توافيه كلّ وقت بما لا يوافقه . وكان أهمّ جموع طوائف الطواغيت عليه يومئذ أميرا [ 4 ] شيطانهم الرجيم ، ومغويهم الزعيم ، شانجه بن غرسية بن فرذلند صاحب قشتيلة . وكان يليه في النّكاية منندس [ بن ] غندشلب [ 5 ] قومس غليسية ، وكافل ملكهم أذفونش بن برمند [ 6 ] ، وسائر القواميس عندهما سقط وحاشية . فقدّم عبد الملك الحذر منهما ، فألقى مولاه واضحا الفتى صاحب مدينة سالم على شانجه ، فصالحه واضح سنة ثلاث وتسعين ولا طفه إلى أن تمهّدت قواعد الدولة . وجرّد عبد الملك يومئذ إلى ثغر قلمرية قاصية الثغر الجوفيّ المواجه لأرض غليسية جيشا كثيفا ، وبقي في وجه منندس بن غندشلب .

--> [ 1 ] ص : عثلوية ؛ ولحية عثولة : ضخمة ، والعثول : الكثير شعر الجسد والرأس . [ 2 ] من قول الشاعر : « مردد في بني اللخناء ترديدا » . [ 3 ] ص : من مثل . [ 4 ] ص : أمير . [ 5 ] Menendo Gonzales . [ 6 ] Leon Alphones .