ابن بسام

56

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

اصبروا . فكشفوا ما في أنفسهم له ، وقالوا : وإنّما نحن في حجر آل أبي عامر الدهر الداهر ؟ ! نلحق بباب مولانا الخليفة هشام ولا نتدبّر إلّا بأمره . فتقدّمه إلى قرطبة منهم نحو سبعمائة ، منهم عبيد اللّه بن بدر . ثم جاءه بعد إذن أخيه ، فقدم هو بسائر العسكر . وتجدّد يوم ورد قرطبة من الحزن بابن أبي عامر ، / وحرّكه خدمه ، وقيانه قد ألبست المسوح والأكسية بعد الوشي والحبر ، ما لا شيء فوقه . أخبرني أبي قال : سمعت محمد بن أبي عامر يوصي ابنه عبد الملك في مرضته تلك ويقول في جملة كلامه : يا بنيّ ، لست تجد أنصح لك مني فلا تعدّينّ مشورتي : قد جرّدت لك رأيي ورويّتي على حين اجتماع من ذهني ، فاجعلها مثالا بين يديك . قد وطّأت لك مهاد الدولة ، وعدّلت لك طبقات أوليائها ، وغايرت لك بين دخل المملكة وخرجها ، واستكثرت لك من أطعمتها وعددها ، وخلّفت جباية تزيد على ما ينوبك لجيشك ونفقتك ، فلا تطلق يدك في الإنفاق ، ولا تقيّض لظلمة العمّال ، فيختلّ أمرك سريعا ، فكلّ سرف راجع إلى اختلال لا محالة . فاقصد في أمرك جهدك ، واستثبت فيما يرفع أهل السّعاية إليك . والرعيّة قد استقصيت لك تقويمها ، وأعظم مناها أن تأمن البادرة وتسكن إلى لين الجنبة . وصاحب القصر قد علمت مذهبه ، وأنّه لا يأتيك من قبله شيء تكرهه ، والآفة ممن يتولّاه ويلتمس الوثوب باسمه ، فلا تنم عن هذه الطائفة جملة . ولا ترفع عنها سوء ظنّ وتهمة ، وعاجل بها من خفته على أقل بادرة ، مع قيامك بأسباب صاحب القصر على أتمّ وجهه ؛ فليس لك ولا لأصحابك شيء يقيكم الحنث في يمين البيعة إلّا ما تقيمه لوليّها من هذه النفقة . فأمّا الانفراد بالتدبير دونه مع ما بلوته من جهله وعجزه عنه . فإني أرجو أني وإياك منه في سعة ما تمسّكنا بالكتاب والسّنة . والمال المخزون عند والدتك هو ذخيرة مملكتك ، وعدة لحاجة تنزل بك ، فأقمه مقام الجارحة من جوارحك التي لا تبذلها إلّا عند الشدة تخاف منها على سائر جسدك . ومادّة الخراج غير منقطعة ، / عنك بالحالة المعتدلة . وأخوك عبد الرحمن قد صيّرت إليه في حياتي ما رجوت أني قد خرجت له فيه عن حقه من ميراثي ، وأخرجته عن ولاية الثّغر لئلا يجد العدوّ مساغا بينكما في خلاف وصيّتي فيسرع ذلك في نقض أمري ، ويجلب الفاقرة على دولتي . وقد كفيتك الحيرة فيه فاكفه الحيف منك . وكذلك سائر أهلك فيما صنعت فيهم بحسب ما قدّرت به خلاصي من مال اللّه الذي في يدي . وخلافتك بعدي أجدى عليهم ممّا صرفته ، فلا تضيّع أمر جميعهم ، والحظهم بعيني ، فإنك أبوهم بعدي ، فخرّج