ابن بسام
410
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
طريقا صعبة المجال ، وجعل المانع له من الحضور أمرا يقوّي على الهموم ، ويقوت النفوس فكيف الجسوم ، ويمتزج بالقلب امتزاج تاموره ، ويطلق شكائم بهجته وسروره ، فإن يك ذلك لدين وثيق ، وخلق بالتقوى خليق ، فما بلغ مولاي من حفظ الشريعة إلى هذه الرتبة ، ولا وضع قدره بعد على هذه الهضبة [ 1 ] ، وإنما هو / الآن يحكم أمرا ، ويصيد بها إذا تعقّل عمرا [ 2 ] . وإن كان لخوف [ 3 ] من ثقيل ، وحذر من غلول ، فما كان هناك إلّا من يفرق السّورة [ 4 ] ، ويستر العورة ، فإن حضر طوي هذا البساط ، وتوفّرت للمسرّة أقساط ، وإن تفادم وتغاتم دلّك [ 5 ] عليه شرح أمور قديمة ، وظهور أنباء مكتومة ، وجاءنا من حديث البستان الحيريّ ما يغضّ من الطيالس والقلانس ، وينسي يوم الغبراء وداحس . وله من أخرى في مثله : لما هجر مولاي مجالسنا في الجامع وأوحشها [ 6 ] ، وأطال إليه ظمأ النفوس وعطشها ، وأخلى مكانه من طلعته التي تطلع علينا من السّرور ما غرب ، وتؤنسنا بغرائب الأنس والطّرب ، وتصرّف فكري في ما اقتضى ذلك فلم أعثر على أمر عاذر ، ولا ظفرت بسبب ناصر ، ذهب وهمي إلى أنه استحدث ودودا ، واستطرف [ خلا ] جديدا ، فترك هذا الأنام [ 7 ] حتى ينقع أوامه ، ويبرّد غرامه ، وحين ثوت هذه الظنّة في نفسي أنفذت فلانا لاستيضاح الخبر ، فحكى أنه ألفي مولاي في الطبقة الدهيشية فدهش لما رآه من مجلس حسن ، ومقام صبوة وفتن ، وأمور بديعة ، وأحوال وسيعة ، وفاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وظبي قد كحل بالسّحر لحظاته ، وأطلق العقارب على وجناته ، ونظم السلوك في ثغره ، وأنبت ثمر الصّبا في صدره ، يدير على مولاي كأسا : إذا أخذت أطرافه من بحورها * رأيت اللجين بالمدام يذهّب
--> [ 1 ] كناية عن أنه لم يصبح بعد مشهورا . [ 2 ] ص : إذا لفعل ؛ ولعلّ معناه : إنه يدير خطة لنيل منزلة يصبح بها عمرو رغم دهائه دونه . ولفظة « يصيد » قد تقرأ « يصير » رغم وضوح الدال في الأصل . [ 3 ] ص : للخوف . [ 4 ] يعني يتجنب سورة السكر ، أي لا يعربد ؛ وفي ص : لعدف السررة . [ 5 ] ص : إن تعادم وتفاتم وذلك ؛ والتفادم : التظاهر بالفدامة ، والتغاتم : التظاهر بالغتمة أي العجمة . [ 6 ] ص : وأوحشنا . [ 7 ] ص : هذه الأيام .