ابن بسام

359

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وما الدهر إلا من رواة قصائدي * إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا فسار به من لا يسير مسامرا * وغنّى به من لا يغنّي مغردا [ 164 ] / وقد [ 1 ] ألّفت الكتب في تفسيره جلاء [ 2 ] مشكله وعويصه ، وكسرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه ، وتكلّم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه ، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه ، وتفرّقوا في مدحه وذمّه ، والقدح فيه والتعصّب له وعليه ، وذلك أدلّ دليل على وفور فضله ، وتقدم قدمه ، وتفرّده على أهل زمانه ، بملك رقاب القوافي ورقّ المعاني ، والكامل من عدّت سقطاته ، والسعيد من حسبت هفواته . واتخذ [ 3 ] الليل جملا وفارق بغداد متوجها إلى ابن العميد ، ومراغما للمهلبي ، فورد أرّجان فطمع الصاحب في زيارته بأصبهان ، وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان ، وهو إذ ذاك شابّ وحاله حويلة ، ولم يكن استوزر بعد ، فكتب يلاطفه في استدعائه ، فلم يقم له المتنبي وزنا ، ولا أجابه عن كتابه ، وقصد عضد الدولة ، فأسفرت سفرته عن بلوغ الأمنية ، وورود مشرع المنية . واتخذه الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة ، ويتتبع سقطاته في شعره وهفواته ، وينعى عليه سيئاته ، وهو أعرف الناس بمحاسنه ، وأكثرهم استعمالا إياها في مخاطباته . وخطأ [ 4 ] المتنبي في اللفظ والمعنى كثير ، ويتبع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء ، ويفتتح [ 5 ] بذلك شعره ، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة ، ويعود لهذه العادة السيئة ، ويجمع بين البديع النادر والضعيف الساقط ، فبينا هو يصوغ أفخر حليّ ، وينظم أحسن عقد ، وينسج أنفس وشي ، ويختال في حديقة ورد ، إذا به قد رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعارة وتعويص اللفظ وتعقيد المعنى ، فمحا تلك المحاسن وكدّر صفاءها وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها ، واستهدف لسهم العائبين ، فمن متمثل بقول الشاعر : أنت العروس لها جمال رائع * لكنها في كلّ يوم تصرع ومن مشبّه إياه بمن يقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات وبدائع الطيبات ، ثم

--> [ 1 ] اليتيمة 1 : 127 . [ 2 ] اليتيمة : وحل . [ 3 ] اليتيمة 1 : 138 . [ 4 ] اليتيمة 1 : 163 . [ 5 ] كذا في الأصل ، وليست العبارة في اليتيمة ، ولعل الصواب : « ويقبح » .