ابن بسام

355

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وعدنا إلى العادة عند الالتقاء في تجاذب أهداب الآداب ، وفتق نوافج الأخبار والأشعار ، أفضت بنا شجون الحديث إلى هذا الكتاب ، فقال لي - صدق اللّه قوله ، ولا أعدم الدنيا طوله - : إنك إن أخذت فيه أجدت وأحسنت ، وليس إلا أنت ، فقلت : سمعا سمعا ، ولم أستجز لأمره دفعا ؛ فأقام لي في التأليف معالم أقف عندها ، وأقفو حدّها ، وأهاب [ بي ] إلى ما اتخذته قبلة أصلي إليها ، وقاعدة أبني عليها : من التمثيل والتنزيل والتفصيل والتقريب والتقسيم والترتيب ، وانتجعت من الأئمة الخليل والأصمعي وأبا عمرو والكسائي وأبا عبيد وأبا زيد ، ومن سواهم من شيوخ العلماء ، وظرفاء الأدباء ، الذين جمعوا فصاحة البلغاء إلى إتقان العلماء ، ووعورة اللغة إلى سهولة البلاغة ، وأقتبس [ 1 ] من أنوارهم : وأجتني من ثمار قوم * قد أقفرت منهم البقاع ومن كلامه في صدر كتاب اليتيمة لما كان الشعر عمدة الأدب ، وعلم العرب الذي اختصّت به على سائر الأمم ، وبلسانهم جاء كتاب اللّه المنزّل ، على النبيّ منهم المرسل ، عليه السلام الأجزل ، كانت أشعار الإسلاميين أرقّ من أشعار الجاهليين ، وأشعار المحدثين [ ألطف من أشعار المتقدمين ] ثم كانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن ، وأنظم للطائف البديع من أشعار سائر المذكورين ، لانتهائها إلى أبعد غايات الحسن ، وبلوغها أقصى نهاية الجودة والظّرف ، تكاد تخرج من باب الإيجاز [ 2 ] إلى الإيجاز ، ومن حدّ الشعر إلى السحر ، وكأن الزمان ادّخر لنا من نتائج خواطرهم ، وثمرات قرائحهم ، وأبكار أفهامهم ، أتمّ الألفاظ والمعاني استيفاء لأقسام البراعة وأوفرها [ نصيبا ] من كمال الصنعة ورونق الطراوة : ولذلك ما ساد النبيّ محمد * كلّ الأنام وكان آخر مرسل وقد سبق مؤلفو الكتب إلى ترتيب المتقدمين والمتأخرين ، فكم من كتاب فاخر عملوه ، وعقد باهر نظموه ، لا يشينه إلا نبوّ العين عن إخلاق جدّته ، وبلى بردته ، [ ومجّ ]

--> [ 1 ] فقه اللغة : وأجتني . [ 2 ] اليتيمة : الإعجاب .