ابن بسام
30
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ثم جلس وهو يقول [ 1 ] : ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم * إذا أثقل الأعناق حمل المغارم ومن غريب [ 2 ] البديهة خبر حبيب ، مع الكنديّ يعقوب ، وقد أنشد أحمد ابن المعتصم [ 3 ] قوله : إقدام عمرو في سماحة خالد * في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال له الكندي : ما صنعت شيئا فإنّ الأمير أفضل ممّن ذكرت ، وما هؤلاء وقدرهم ؟ فأطرق ثم قال : لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في النّدى والباس فاللّه قد ضرب الأقل لنوره * مثلا من المشكاة والنّبراس فتعجّب من بديهته يومئذ لأنّه كان رجلا مصنّعا لا يجب أن يكون هذا في طبعه . وقد قيل إنّ الكندي لما خرج حبيب قال : أرى هذا الفتى يموت شابّا لأنّ ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده . فكان ذلك كذلك ، مات وقد نيّف على الثلاثين . وكان أبو الطيب كثير البديهة إلّا أنّ شعره نازل فيه . وأهل الشعر في ذلك في سعة من العذر ، إذ هو كما قال ابن الرومي [ 4 ] : نار الرّويّة نار جدّ منضجة * وللبديهة نار ذات تلويح وقد يفضّلها قوم لسرعتها * لكنّها سرعة تمضي مع الرّيح وقال ابن المعتز [ 5 ] : والقول بعد الفكر يؤمن زيغه * شتّان بين رويّة وبديه ومن الشعراء [ 6 ] من شعره فيهما وعند الأمن والخوف سواء ، بمقدار قدرة كلّ أحد ، وسكون جأشه ، وقوة غريزته ، كهدبة بن الخشرم ، وطرفة بن العبد ، ومرّة بن محكان
--> [ 1 ] النقائض : 383 ، وابن سلام : 402 . [ 2 ] العمدة 1 : 192 ، وانظر : أخبار أبي تمام : 230 - 232 . [ 3 ] ص : المأمون . [ 4 ] العمدة 1 : 193 ، وديوان ابن الرومي : 567 ، وبدائع البداية : 9 ، والشريشي 1 : 122 . [ 5 ] العمدة : 193 ، وبدائع البداية : 9 . [ 6 ] لا يزال متابعا للعمدة 1 : 193 .