ابن بسام
291
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
يكون التوفيق دليلك ، والرشاد سبيلك : صف لنا كيف وقع التحدّي بهذا المعجز ليتم بوقوعه الإعجاز ، وأخبرنا عن صفة التحدّي : هل كانت العرب تعرفه أم لا ، أم كان شيئا لم تجر عادتها به فكان إقصارها عنه ، بل لأنه التماس ما لم تجر المعاملة بينهم بمثله ، ثم يسأل عن التحدّي هل لقي بمعارضة بان تقصيرها عنه أو لم تكن بمعارضة ، ولكن القوم عدلوا إلى السيف كما عدل المسلّمون مع تسليمهم ولم يعارضوه . ثم يسأل عن قوله تعالى : لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) وفيه من الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ما لا يكون أشدّ اختلافا منه [ 1 ] ؛ ويسأل عن قوله تعالى : وَغَرابِيبُ سُودٌ ( فاطر : 27 ) وما معنى الزيادة في الكلام ، والغرابيب السود هي الغرابيب ، فإن قال تأكيدا فقد زلّ ، لأنّ رجحان بلاغة القرآن إنما هو إبلاغ المعنى الجليّ المستوعب إلى النفس باللفظ الوجيز ، وإنما يكون الإسهاب البليغ في كلام البشر الذين لا يتناولون تلك الرتبة العالية من البلاغة ؛ على أنه لو قال تأكيدا لخرج عن مذهب العرب ، لأنّ العرب تقول : أسود غربيب ، وأسود حالك وحلكوك ، فتقدم السواد الأشهر ثم / تؤكده ، وهذه الآية تخالف ذلك ، فإذا بطل التأكيد في المعنى [ 2 ] ؛ وما معنى : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ( النحل : 26 ) وهل يكون سقف من تحتهم فيقع لبس يحتاج إلى إيضاحه بذكر فوق وتحت [ 3 ] ؟ ونحو منه قوله تعالى : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ( النحل : 50 ) وهل لهم ربّ من تحتهم ؟ وما معنى فوق هاهنا ، وهل تدلّ على اختصاص مكان [ 3 ] ؟ وما معنى
--> [ 1 ] يرى الزمخشري أن عدم الاختلاف هنا معناه عدم التناقض والتفاوت في مستوى النظم والبلاغة والمعاني ، وصدق الخبر . . ( الكشاف 1 : 546 - 547 ) . [ 2 ] قال الزمخشري : فإن قلت : الغربيب تأكيد للأسود ، يقال : أسود غربيب وأسود حلكوك . . ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع وأبيض يقق وما أشبه ذلك قلت : وجهه أن يضمر المؤكد قبله ويكون الذي بعده تفسيرا لما أضمر كقول النابغة : « والمؤمن العائذات الطير » وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإضمار والإظهار جميعا ( الكشاف 3 : 307 ) . [ 3 ] الوجه في « فوق » هنا في قوله : « وهو القاهر فوق عباده » أي أنهم يخافون ربهم عاليا قاهرا لهم ( انظر : الكشاف 2 : 413 ) ؛ وقوله : « كلمح البصر أو هو أقرب » أي كما تبالغون أنتم حين تستقربون شيئا ( نفسه : 421 ) ؛ وقوله : « الهين اثنين » الوجه فيه : أن الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص فإذا أريد التأكيد على أن المقصود هو العدد شفع بما يؤكده فقيل الهين اثنين أو رجل واحد . . الخ ( نفسه : 413 ) ويأخذهم على تخوف أي وهم متوقعون وقيل هو أن يأخذهم على أن ينتقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم وبذلك تكون الرأفة والرحمة حيث يحلم عنهم ولا يعاجلهم مع استحقاقهم ( نفسه : 411 ) .