ابن بسام
279
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
أروع لا يرجع [ 1 ] عن تيهه * والسيف مسلول على رأسه وقد قيل : إن إخراجه الملك معه إنما كانت حاجة في نفسه قضاها ، وخطة من مكره ألزمه إيّاها ، إبقاء على جلالة المقدار ، وأنفة من الانفراد بعيب الفرار ، ثم إن أبا عليّ ثاب سلطانه ، وراسله شيعه بالحضرة وأعوانه ، فعاد إليها ، وأقام أبو القاسم بالموصل وقد كثر أتباعه ، وملأ البلاد [ عيانه ] وسماعه ، فأقام بها يسيرا ، واستشعر من صاحبه تقصيرا ، فاستأذنه في الرجوع إلى ميافارقين ، فحلّها ، وتلقّاه نصر الدولة بالاصطناع ، وأقطعه صامت الأموال وفاشي الضياع ، ثم روسل ثانية / من بغداد للوزارة ، واستأذن نصر الدولة ، فخلى بينه وبين مراده ، ولم يجد بدّا من إسعاده ، ووفاء بإنجاز ميعاده ، فلما برزت قبابه ، وكادت تستقلّ ركابه ، خوّف نصر الدولة عاقبة مكره ، وأشير عليه بالرأي في أمره ، فسقاه شربة كانت آخر زاده ، ووفاء بإنجاز ميعاده ، وتقدّم حين أحسّ [ بالموت ] بحمله إلى الكوفة ليدفن في حجرة أعدّها هنالك بإزاء قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فسير بتابوته مسيرة شهر ، بين أيدي الحتوف ، وتحت أظلال السيوف ، أكرومة ختم بها مجده ، وأحدوثة أبقاها في الناس خالدة بعده . وقد أجريت من نثره الرائقة فصوله ، ونظمه المتقنة فروعه وأصوله ، ما يعطّر الزهر شذاه ، ويروق النجوم الزهر مرآه . فصل من رسائله لما دخل البطيحة وبها أبو القاسم هبة اللّه بن عيسى [ 2 ] [ وزير ] مهذّب الدولة ، وكان من أفاضل أهل وقته ، فدخل إلى ابن المغربيّ رجل يعرف بسليمان بن الربيع ، وسلّم إليه قصيدة قد بنيت على السؤال عن ألفاظ عن اللغة على جهة الامتحان لمعرفته ، فلما وقف عليها امتعض في الحال ، وأحفظه ما لقي من التعدّي والسؤال ، ونسب ذلك إلى فعل أبي القاسم وزير مهذّب الدولة البطيحيّ ، فكتب عقب الوقوف [ 3 ] على ذلك لوقته جوابا أثبت بعض فصوله ، لطوله ، بعد هذه الأبيات المذكورة :
--> يستنزل الرزق بأقدامه * ويستدر العزّ من بأسه [ 1 ] دمية : لا ينحط . [ 2 ] ذكر ابن الأثير ( 9 : 252 ) أنه توفي سنة 406 وقال فيه : « كان من الكتاب المفلقين ، ومكاتباته مشهورة ، وكان ممدحا ، وممن مدحه ابن الحجاج » . [ 3 ] ص : عقب الدولة .