ابن بسام
20
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فمدّ كفّا إلى ترائبه * وقال سر وادعا فأنت هنا وأنشد المنصور يوما قصيدة أبي نواس « أجارة بيتينا أبوك غيور » فعرض عليه أن يعارضه . فأبى صاعد من ذلك إجلالا لأبي نواس ، فعزم عليه المنصور فأنشده متمثّلا [ 1 ] : إني لمستحي علا * ك من ارتجال القول فيه من ليس يدرك بالرّويّ * ة كيف يدرك بالبديه فلم ينفعه ذلك عنده ، ومكث فيه بقيّة يومه وليلته ، وجاءه من الغد فأنشده قصيدته التي أوّلها : خدال البرى [ 2 ] إنّي بكنّ بصير * طوتكنّ عني خلسة وقتير [ ومنها ] : وباتت كما باتت مهاة خميلة * لها جؤذر عند الصّراة عقير وقد أكلت أشلاؤه فكأنّها [ 3 ] * مقسّمة عند القداح جزور كما بغمت [ 4 ] من شجوها أمّ واحد * أتيح لها مثل الزجاج طرير لدن غدوة حتى صغت [ 5 ] شمس يومها * وفي أبهريها رنّة وزفير تسوف ثراه عن مشقّ إهابه * كأنّ أسابيّ الدماء عتير [ 6 ] قال ابن بسام : وصاعد على تتابعه [ 7 ] في الكذب ، ولجاجته بين الامتهان وسوء الأدب ، قد أخذ بطرف من الترقيق ، وخلا بجانب من لقم الطريق ؛ ألا تراه كيف صرّح بالياس ، عن شقّ غبار أبي نواس ؟ ولكنّ ابن أبي عامر حمله على الغرر ، وعرّضه لسوء الخبر ، ولعله ذهب إلى قول أبي الطيّب [ 8 ] : بلغت بسيف الدولة النّور رتبة * أنرت بها ما بين غرب ومشرق
--> [ 1 ] المصدر السابق . [ 2 ] ص : جذال الشرى . [ 3 ] ص : فكأنه . [ 4 ] ص : نعمت . [ 5 ] صغت : مالت ؛ ص : صفت . [ 6 ] أسابي الدماء : طرائقها ؛ والعتيرة : أول ما ينتج ، كانت تقدم قربانا لأصنامهم . [ 7 ] التتابع : التمادي في اللجاجة . [ 8 ] ديوان المتنبي : 338 .