ابن بسام
184
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
ودرهم ، حتى ولّاه البرّ حلّ [ 1 ] عقده ، / ورماه البحر بأفلاذ كبده ؛ ورزق عدّة بنات أحسن من الشّموس ، وأفتن من الطّواويس ، فتبارى ملوك الطوائف بأفقنا في نكاحهنّ ، وتنافسوا في غدوّهنّ إليهم ورواحهنّ . واغتنم هو ذلك منهم وأذكاهنّ عليهم عيونا ، وبناهنّ بينه وبينهم دروبا وحصونا ، معتقدا أنّ الصّهر رحم لا تجفى ، وطريق إلى رعي الذّمم لا تخفى . فقلّ ملك منهم إلّا وقد علق له به حبل ، واتّصل بينه وبينه نسل . فسما إليه منهم ابن هود المذكور سنة سبع وستين يريه أنّ الناس مأكول وآكل [ 2 ] ، وأنّ القياس أكثره باطل . من رجل لا يستظلّ إلّا أعلامه ، ولا يرضى [ 102 ] إلّا أحكامه ، ولا يستشير إلّا حسامه ، فجرّ إليه الهضاب كتائب ، وملأ عليه الشّعاب مردا أحاجب ، وجردا نجائب . أخبرني غير واحد أنه لم يبق ملك من ملوك أفقنا سمع بمخرج ابن هود يومئذ إلّا توقّعه وتوقّاه ، وظنّ أنّه لا يريد سواه . وإنّما كان يريده ، زعموا ، على قلاع كانت تتصل ببلده ، ليضمّها إلى أمير طرطوشة ، وقته ، من ولده . فلم يرع ابن مجاهد إلّا مجرى الجياد بحيث يرى ويسمع ، ولا نبّهه إلّا مجرّ الصّعاد ، بحيث لا يعطي ولا يمنع . فاستطير فرقا ، وقام وقعد تلدّدا [ 3 ] ونزقا . وحين علم المراد ، وفهم الجليّة أو كاد ، أعطى فضل القياد ، وكتب إلى عمّاله بإخلاء تلك البلاد . فلمّا أخذ ابن هود في إيابه ، وخلا ابن مجاهد بطوائفه وأحزابه ، / عنّفوه بما فعل ، وزيّنوا له الغدر به وقد رحل . وأتى ابن هود ، وقد سار غير بعيد ، بكتب طيّرها ابن مجاهد إلى عمّال تلك المعاقل ، يأمرهم بالتحصّن والاحتيال ، ويحضّهم على الجدّ في القتال . فكرّ المقتدر ، ولم يرع أهل دانية إلّا تصهال الخيل ، وقد انصبّت عليها انصباب السّيل باللّيل . واضطرب [ 4 ] أبنيته بحيث يسمع الحوار ، ويحمد الجوار ، فاستولى الجزع ، وضاق المتّسع . وأخرج إليه لحينه ابنه الذي كان قد سمّاه معزّ الدولة ، ورشّحه لجرّ أذيالها [ 5 ] ، وعلّمه ممايلة ظلالها . فجاء إلى ابن هود مدلا بقديم صهره ، عاثرا في إدبار أمره وانقطاع ذكره ، من رجل فليل الطّبع ، ثقيل السّمع ، ضيّق الذّرع ، قد غذي بالترف
--> [ 1 ] ص : حلى . [ 2 ] ص : وأكيل . [ 3 ] ص : تلدا . [ 4 ] اضطرب هنا بمعنى ضرب . [ 5 ] أذيالها يعني أذيال الدولة ، أي كان قد جعله ولي عهده .