ابن بسام

111

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أذبّة [ 1 ] شهوات ، وفراش ضلالات ، أغضى الزمان لهم هنيّة فظنّوا أنّهم قد أعجزوه وانتهزوه ، فوجدهم مغترّين ليس لهم سلاح إلّا مقاتلهم ، ولا بهم حويل إلّا تدابرهم وتخاذلهم . ونفث على نفسه من أولئك / المخرجين شرار زناد ، وأسرار عداوات وأحقاد ، أحلاس السجون [ 2 ] والأهوال ، وبقايا القيود والأغلال . فلم يزد بموت ابن الحديديّ وحياتهم على أن كان الشرّ سببا فأصبح أسبابا ، والناس حزبا فتفرّقوا أحزابا . وانتبذ ابن عبد العزيز لتلك الوهلة ببلنسية من جماعته ، وخلع يده من طاعته ، إلّا هدنة على دخن ، يتطارد له بصيدها ، وينشده عن كيدها : أحبّك في البتول وفي أبيها * ولكنّي أحبّك من بعيد [ 3 ] وفغر الطاغية أذفونش بن فرذلند فمه على ثغوره المثغورة ، فجعل لوقته يطويها طيّ السّجلّ للكتاب ، وينهض فيها نهضة الشيب في الشّباب . وابن ذي النون يلقمه أفلاذ كبده ، ويرجمه بسبده ولبده ، وأذفونش لعنه اللّه لا يقنع منه بصيد العنقاء ، ولا ببيض الأنوق ، بل يكلّفه [ 4 ] إحضار الأبلق العقوق ، ويسومه درك الشمس ، ويطلبه بردّ أمس [ 5 ] . فلمّا أكل الإنفاق ثبج [ 6 ] ماله ، وأخذ الخناق بكظم احتياله ، وأحسّ العدوّ المشاقّ بذلك من حاله ، سما إلى معاقله المنيعة . وذرى أملاكه الرفيعة ، عدد الأنام ، ودروب الإسلام ، فما راهنه منها عليه غلق ، وما رام أخذه من يديه لم يدركه حتى مزق [ 73 ] . فرار حفيد ابن ذي النون من طليطلة ودخول المتوكل وانجرّت الحال بينه وبين أولئك الشيوخ المخرجين من المطبق بمقدار [ 7 ] ما رقعوا خروقهم ، وجمعوا فريقهم ؛ فلما استوثق أمرهم ، وثاب إليهم شرّهم ، دلفوا لحزبه الذّنوني البسيس [ 8 ] ، تحت إحدى ليالي جديس ؛ أرغت عليهم سقب السماء ، وتمخّضت

--> [ 1 ] ص : أدبه . [ 2 ] ص : خلاس الشجون . [ 3 ] أورده العميدي في الإبانة : 125 وذكر أنه لصاحب العلوي الداعي بطبرستان . [ 4 ] ص : يكله . [ 5 ] ص : أنس . [ 6 ] ص : تيح . [ 7 ] ص : بمقدام . [ 8 ] من معاني البسيس : المختلط . ولعلها : « البئيس » .