ابن بسام

108

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

والنظر في طبقات القوّاد ، إلى سائر الشّئون السّلطانية ، والأعمال الديوانية إلى ابن الفرج ، وبقيّة الإصدار والإيراد ، والنظر لجماهير الناس وكواف البلاد ، والرأي والمشورة ، والصغيرة والكبيرة ، إلى الفقيه أبي بكر ابن الحديدي [ 1 ] ، رجل كان له قدم وإقدام ، وعنده نقض وإبرام . وكان قد عهد لحفيده هذا المرشّح لأمره متى ورث سلطانه ، وتبوّأ مكانه ، أن يشدّ على ابن الحديدي كلتا يديه ، ولا يفتات بأمر من الأمور عليه . وأخذ الموثق الغليظ على ابن الحديديّ ليبلغنّ كلّ مبلغ في شدّ أزره ، وتثبيت أمره علما باستقلاله ، واستنامة إلى يمن مناقبه وخلاله ، وحفظا لما كان عنده من يده في إقامة أوده ، وممالأته على أهل بلده . وقد كان أكثرهم فيما سلف نفروا عنه ، وهمّوا بالاستبدال منه . فنكث [ 2 ] أبو بكر هذا قوى مكرهم ، وخاطب المأمون يومئذ إلى بلنسية بجليّة أمرهم ، خوفا من الفتنة ، وتفاديا من المحنة . فانكدر المأمون من حينه إلى طليطلة وقد ضاق ذراعا ، وكادت نفسه تذهب شعاعا ، وأدار الحيلة على مشيخة طليطلة في خبر طويل حتّى سجن عامّتهم بمطبق حصن [ وبذة ] [ 3 ] ، أخرى قلاعه المنيعة ، ولم يزالوا بها حتّى شاب الشباب ، وبليت الأحقاب ، وتلك اليد كان المأمون يراعي لابن الحديدي ، فوضع في حياته زمامه بيده ، واستخلفه بعد وفاته على بلده وولده . مقتل الفقيه أبي بكر ابن الحديدي فلما هلك المأمون بقرطبة ونعي بطليطلة وماج بعضها في بعضها ، وانطبقت سماؤها على أرضها ، احتوشت إلى حفيده ، اللابس لبروده ، جملة ممن كان يتعلّق بسببه وينسب إلى وطء عقبه . وطفقوا يغرونه بأبي بكرة ، جماع أمره ، ومظنّة تأييده ونصره ، لما كانوا يدبّرون من التقلّب عليه ، ويتوهّمون من ضعفه على ما في يديه . وخوّفوه غوائل ختله ، وزعموا أنّ سلطانه لا يتمّ إلا بعد الفراغ من قتله . وقد كان أثيره أبو سعيد ابن الفرج ينهاه عن إخفار الذّمام ، ويخوّفه سوء عواقب الأيّام . فركب هواه ، وخالف ناصحه وعصاه ، وجرّد قطعة من جنده ، وأمرها باستقبال تابوت جدّه في طريقهم من قرطبة ، وأنهى إليهم سرّا قتل ابن الحديديّ المستقلّ بحمله ، الناظم لأشتات فلّه . وقال لهم : إذا

--> [ 1 ] هو يحيى بن سعيد بن أحمد بن يحيى بن الحديدي من أهل طليطلة ، كان متقنا فصيحا فطنا مقدما في الشورى ( الصلة : 633 ، وانظر المرب 2 : 13 ) . [ 2 ] ص : فمكث . [ 3 ] زيادة يدل عليها ما سيلي .