ابن بسام

75

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ولما تمّ لأبي أحمد [ 1 ] شانه ، واستقرّ [ 2 ] به - على زعمه - سلطانه ، / وقع في هراش ، وتفرقت الظباء على خراش ، ودفع إلى النظر في أمور سلطانيّة لم يتقدم قبل في غوامض حقائقها ، وإلى ركوب أساليب سياسيّة لم يكن له عهد باقتحام مضايقها ، ولا بالدخول في ضنك مآزقها ، ولم يعلم أنّ تدبير الأقاليم غير تلقين الخصوم ، وأن عقد ألوية البنود ، غير الترجيح بين العقود ، وانتخال الشهود ، وشغل بما كان احتجن من بقيّة ذخائر ابن ذي النون وشيعته عن استجلاب الرجال [ 3 ] ، والنظر في شيء من الأعمال ، وانفضّت عنه تلك الجملة اليسيرة [ من الخيل ] المرابطيّة التي كان تعلّق بسببها ، وموّه على الناس بها ، لضيق المذاهب ، وغلظة ذلك العدوّ المصاقب ، وقوي طمع رذريق في ملك بلنسية فلزمها ملازمة الغريم ، وتلذّذ بها [ تلذّذ ] العشّاق بالرسوم ، ينتسف أقواتها ، ويقتل حماتها ، ويسبق إليها كلّ أمنيّة [ 4 ] ، ويطلع عليها من كلّ ثنيّة ، فربّ ذروة [ 24 أ ] عزّ قد طالما تلددت الأماني والنفوس دونها ، ويئست الأقمار والشموس من أن تكونها ، قد ورد ذلك الطاغية يومئذ معينها ، وأذال مصونها ؛ وربّ وجه كانت تدميه الذرّ ، وتحسده الشمس والبدر [ 5 ] ، ويتغاير عليه المرجان والدرّ ، قد أصبح دريّة لزجاجه ، ونعلا لأقدام أراذل أعلاجه ، وبلغ الجهد بأهلها والامتحان ، أن أحلّوا محرّم الحيوان ، وأبو أحمد المذكور في أنشوطة ما سهّل وسنّى ، شرقا بعقبى [ 6 ] ما جرّ على نفسه وجنى ، يستصرخ أمير المسلمين على بعد / داره [ 7 ] ، وتراخي مزاره ، فتارة يسمعه ويحرّكه ، وتارة ينقطع دونه ولا يدركه ، وقد كان من أمير المسلمين بموضع ، ومن رأيه الجميل بمرأى ومسمع ، ولكن أبطأ به عن نصره تنائي الدار ، ونفوذ المقدار ، وإذا قدّر اللّه أمرا فتح أبوابه ، ويسّر أسبابه ، فتمّ للطاغية [ 8 ] رذريق - [ قصمه اللّه ] - مراده الذميم من دخول بلنسية سنة ثمان وثمانين [ 9 ] على وجه من وجوه غدره ، وبعد إذعان من القاضي [ ابن جحاف ] المذكور

--> [ 1 ] ط د س : لابن جحاف . [ 2 ] ب م : واستمر . [ 3 ] وشغل . . . الرجال : سقط من ط د س . [ 4 ] م ودوزي : ويسوق . . . منية . [ 5 ] وتحسده . . . والبدر : سقط من ط د س . [ 6 ] د س ط ودوزي : وشرك ما . [ 7 ] د ط س : دياره . [ 8 ] ط د س : للكنبيطور . [ 9 ] انظر ص 91 ، الحاشية 5 .