ابن بسام
645
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
بتناصر [ 1 ] غوغائها ، وتخاذل أمرائها ، [ يومئذ ] صعبها ، من طواغيت الروم المحيطين بجهاتها ، أبناء المخرجين من جنّاتها ، الموتورين بأيدي المسلمين حماتها ، أيام رسوخ أقدامهم في عرصاتها ، واجتماع كلمتهم على الذبّ عن حوزاتها ، فسموا إليها لأوّل إطباق الفتنة ، واشتمال [ تلك ] المحنة ، ممضين لأحكامهم المفسوخة ، مقارعين عن ملّتهم الممحوّة المنسوخة ، مغتنمين [ 2 ] للفترة ، متنسّمين لروح الكرّة ، فسال منها يومئذ ببلنسية سيل عرم عفّى على ما [ كان ] بها من بهجة ورونق ، ومزّق أهلها بأطراف الرماح وظبا الصّفاح كلّ ممزّق . قال المحدّث : فأناخت تلك القطعة يومئذ ببلنسية سنة ستّ وخمسين وأربعمائة ، وأهلها : جاهل غرّ أو مترف مغترّ ، أو غفل لا خير ولا شرّ . قد خلوا بشهواتهم ، وانخدعوا بإغضاء [ 3 ] الدهر عن غرّاتهم ، لا عهد لهم [ يومئذ ] بصريع إلّا من كأس شمول ، أو لحظات أعين [ 4 ] كحيل ، ولا بعان كنيع [ 5 ] إلّا لعتاب خليل ، أو إعراض حبيب وصول ، مغفلين للتدبير ، غافلين عما يتعاور أطرافهم من الحذف والتغيير ، فطار بهم الذّعر [ 6 ] كلّ مطار ، وسارت عن زعمائهم في استقبال محنتهم تلك أعجب أخبار ، ثم كايدهم العدوّ بإظهار [ 7 ] الاضطراب ، والاستتار / عن عيونهم ببعض تلك الهضاب ، استدراجا لهم واستطرادا ، وجدّا في طلب مكروههم واجتهادا ، فهاج رعاعهم ، ونادى بالنفير مهنتهم وصنّاعهم ، حتى بلغني أن مخنّثين من مخنثيها تناديا إلى الخروج ، وقد حلما بسبي العلوج ، فهما يتنازعان المنى ، ويقولان نحن أعلم بفعلات القنا ، وهيهات ! تلك أقصف للظهور ، وهذه أشفى لبعض الصدور ، وخرجا ولا سلاح إلّا رشاء تجاذباه ، ثم اصطلحا بعد فقسماه ، لا يستريبان بضيق المنهاج ، ولا يشكّان في اقتياد الأعلاج ، وساعد أولئك الرعاع الحائنين [ 8 ] أميرهم [ يومئذ ] المترف [ 9 ] عبد العزيز بن أبي عامر - المتقدم الذكر - فخرج بالعير والنّفير ، والجمّ الغفير ، يحسب الطعن كالقبل ، ولم يكن
--> [ 1 ] ط د : بتنازع . [ 2 ] ط د : منتظرين . [ 3 ] البيان : بإغفاء . [ 4 ] ط د : أغر . [ 5 ] العاني الكنيع : الأسير المتقبض في قده ؛ ومنه قول متمم : « وعان ثوى في القدّ حتى تكنعا » . [ 6 ] د : العدو ؛ وفي ط : بياض . [ 7 ] ط د : بإضمار . [ 8 ] ط د ب س م : الخائنين . [ 9 ] ط : المنزف .