ابن بسام

642

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

حتى عمّ تلك [ 232 ب ] الثغور الجلاء ، وتوزّع المسلمين البلاء ، وخربت ديارهم ، وبادت آثارهم . وذكرت [ أيضا ] بهذه الحكاية ما حكاه الفرزدق عن نفسه قال : كنت أخرج أنا وجرير كلّ يوم إلى المناقضة بالمربد ، ويحضرنا وجوه أهل البصرة ، وكنت أرسل كلّ غداة إلى جرير عينا [ 1 ] ، فإذا لبس زيّا لبست أحسن منه أو مثله ، أباهيه بذلك ، فجاءني عيني [ 2 ] عليه يوما فأخبرني أنه في حلّة فاخرة وزيّ من الرفاهية ، وأنه على قلوص في مركب نبيل ورحل ظاهر ، فسرت في مثل ذلك الزيّ ، وانتهيت إلى المربد فلم أجده ، فلم يرعني إلّا انقضاض فارس قد اعتقل قناة خطّية وظاهر بين درعين ، وتقنّع بالحديد ، فلم يظهر إلّا عينه ، وجاء حتى ركز قناته إلى جنبي ، وأنا أشبه شيء بالهديّ تزفّ إلى بعلها ، فإذا جرير رافع عقيرته ينشد : أعدّوا مع الحلي الملاب فإنما * جرير لكم بعل وأنتم حلائله فانصرف الناس بذلك البيت ، وانصرفت أخزى منصرف . وقول ابن المعلى : « لو لم يكن ببطرنة ما كانا » . . . البيت ، يسمي بعض أهل النقد هذا النوع من البديع « الإيماء » ، وهو عند بعضهم من أقسام الإشارة ، وهي من غرائب الشعر وملحه ، ويدلّ على بعد المرمى ، / وليس يأتي بها [ 3 ] إلّا الشاعر المبرّز الماهر ، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة واختصار وتلويح ؛ قال أبو علي ابن رشيق في كتاب « العمدة » له [ 4 ] : فمن الإيماء المليح للمتقدمين قول قيس بن ذريح : أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت * لها زفرة تعتادني هي ما هيا ومثله قول كثير [ 5 ] : تجافيت عنّي حين لا لي حيلة * وخلّفت ما خلّفت بين الجوانح فقوله : « وخلّفت ما خلّفت » إيماء مليح .

--> [ 1 ] ط د : عبدا . [ 2 ] د : فجاءني من أرسلته ، وفي ط بياض . [ 3 ] ط د س : بهذا . [ 4 ] انظر : العمدة 1 : 207 . [ 5 ] ديوان كثير : 526 ، وينسب أيضا لغيره .