ابن بسام

617

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

سلف أبي بحر ؛ أخبرني ذو الوزارتين أبو عامر ابن عبدوس أنه اجتمع [ به ] في ذلك الثغر ، ورآه قد لبس بياضا في جنازة الكاتب أبي عمر ابن القلّاس ، وقد حضرها المقتدر بن هود ، فرثاه بقصيدة نعى فيها تلك الدولة ، ووصف أنها بعد ابن القلّاس على طرف ، وفي [ 223 ب ] سبيل تمام وتلف ، فتعجّب منه المقتدر ، وجميع من حضر . وكان ذلك الشيخ يستعمل وحشيّ الألفاظ ، ويخاطب العوامّ بكلام لو خوطب به رؤبة بن العجاج ما فهم عنه ؛ وأخبرت أن بعض أصحابه قال له يوما : ما لك وللتقعير [ 1 ] في كل وصف ! فقال له الشيخ : يا قرارة النّوك وعنصر السّخف ، أتنكر أن أستعمل الغريب وفصيح الكلام ؟ ! لو كان في طبعك ، ما مجّه سمعك ، أين أنت من قول أوس [ 2 ] : ألم تر أن اللّه أنزل مزنة * وعفر الظباء في الكناس تقمّع على دبر الشهر الحرام بأرضنا * وما حوله بعد السنين يلفّع ومن قول امرئ القيس [ 3 ] : وما ذرفت عيناك إلّا لتقدحي * بسهميك في أعشار قلب مقتّل قال له : وأيهما ألوط بالقلب وأقرب إلى مجاري النفس ؟ قال الشيخ : قول أوس لأنه جزل المقطع ، بعيد المرمى غريب المنزع ، وأما قول امرئ القيس فهو من باب الغزل وظريف الألفاظ ، لا يحرّك عالما ، ولا يثير من غامض المعرفة كامنا ، ولا يتعب مفسّرا ، وإنما يدرّ الدمع ، ويهيج الوجد ، ويثير الصبابة ، ويؤكّد الكآبة ؛ فقال له ذلك الرجل : وهذه صفة المحبوب من الشعر ، ألا ترى أن امرأ القيس لم يحز قصب السّبق ، ولا أعطي غاية الخصل [ إلّا لإتيانه بهذه الألفاظ السّهلة ، وأن أبا نواس لم يسبق الناس ] إلّا بعذوبة ألفاظه ، [ فمن ] احتذى هذه الطريقة نجح ، ومن حاد عنها افتضح ؟ . وكان ذلك الشيخ أبو عبد الصمد [ في عصر ] أبي حفص ابن برد الأصغر ، واجتمع في خزائنه زهاء خمسمائة رسالة ، أقلّها فيما بلغني من عشر ورق ، مع قصائد له مطوّلات ، لا يقدر أحد أن يفسر [ 4 ] له منها عشرة أبيات ، لوحشية ألفاظه ، واشتباك معانيه ؛ ورسائل ابن برد سائرة لعذوبة كلامه ، في نثره ونظامه .

--> [ 1 ] ط د س : والتقعير . [ 2 ] ديوان أوس بن حجر : 57 ، ولم يرد إلا الأول . [ 3 ] ديوان امرئ القيس : 13 . [ 4 ] ب س م : لا يجد أحدا يفض . . .