ابن بسام

569

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ذكري في بهجته [ 1 ] ورياه ، إن شاء اللّه . / فصل في ذكر ثلاثة من رجال الأندلس جمعهم وقت وزمان ، واشتمل عليهم شأن وأوان ، ونسقهم شبه ، وكلهم وإن كان جاهر بالنفار غزاله ، وجذبت البطالة والاستهتار أذياله ، واستفرص بلسانه ، أعيان أهل زمانه ، حتى تحاماه الناس ، وانحرف عنه التقليد والقياس ، فله من الإحسان مكان لا يجهل ، ومن التقدم في هذا الميدان حكم لا يمذل ، ولأمر ما أطلعتهم في أفق ، ووضعتهم على نسق ، والمرء لمشبهيه ، دون قرابته وذويه ، وسأنثر ما نظمت ، وأوضح ما أبهمت ، وأذكرهم رجلا رجلا ، وأسرد من قصصهم تفاصيل وجملا ، وأكتب من أشعارهم ونوادر أخبارهم ، بما يقفك على إحسانهم ، ويعجّبك من اشتباههم واقترانهم ، فمنهم [ 2 ] : الكاتب أبو جعفر ابن أحمد [ 3 ] من [ مدينة ] دانية [ 206 أ ] ؛ قدّمته إذ كان أنبههم موضعا ، وأوسعهم عند ملوك الطوائف بأفقنا مطارا وموقعا ، وله إحسان كثير ، منظوم ومنثور ، بين قلب ذكيّ ، ولسان غير بكيّ ، شهدا له بفضل براعة ، وتقدّم في هذه الصناعة ، وتفاوت هو وأخوه تفاوتا عظم فيه الشان ، / وأعرب به عن ذات نفسه الزمان : كانا ابني رجل من شرط ابن مجاهد بدانية ، مشهور بلؤم المكسب ، وضعة المركب ، صاحب عصا شوهاء ، ودعوة غير ذات سناء ، و [ نشأ ] ابناه هذان ولهما همة في الأدب ، وحرص على الطلب فقسمت بينهما العلياء ، قسمة مثلما يشقّ [ 4 ] الرداء ، فتقدم أبو جعفر هذا بالإحسان في النظم والنثر ، وذهب عليه أخوه بالمكان من النهي والأمر ، فحمل تلك الدولة على كاهله ، وصرف الملوك بين حقّه وباطله ، ووقع معه أخوه أبو جعفر تحت المثل : « أوسعتهم سبّا وأودوا

--> [ 1 ] العطاء : وليتخيله في نفحته . [ 2 ] هذه المقدمة لم ترد في د ط س ؛ وقد ميز ابن بسام أحد هؤلاء الثلاثة وهو أبو جعفر ابن أحمد الداني ، ولم يميز الاثنين الآخرين فهل نعد الاثنين التاليين وهما عمر بن عطيون التجيبي وابن أبي الخصال من ضمن الثلاثة الذين عناهم المؤلف ؟ وهل كان هذان ممن « جذبت البطالة والاستهتار أذياله ، واستفرص بلسانه أعيان أهل زمانه » ؟ ليس في أخبارهما التي أثبتها ابن بسام ما يشير إلى ذلك . [ 3 ] ترجمته في المغرب 2 : 404 ، وانظر ما تقدم ص 755 . [ 4 ] ط د س : انشق .