ابن بسام
559
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فكيف لم يدفع عن نفسه ؟ وكيف لم يخسف بهم الأرض جميعا أو يرسل السماء عليهم كسفا ؟ ! بالأمس إله ترقبون جنّته وناره ، واليوم قتيل صليب لا تدركون ثأره ! ! . وزعمت طائفة منكم أن اللاهوت فارق النّاسوت عند ذلك ، وخلّى بينه وبين اليهود ، فهلّا حماه منهم أو نصره عليهم ؟ ! هذه إشارة إلى تناقضكم ، ولمحة دالّة على تعارضكم ، ولو أحصيناه وتقصّيناه لا تسع مجاله ، وامتنع مقاله . فإن قلت : إنّ العرب [ أيضا ] كانت تعبد الأصنام وتستقسم بالأزلام ، فنحن ما أحمدنا لك دينها ، ولا رضينا يقينها ، بل نعلم أنّ من قال منها بالإشراك ، فقد قصّر في الإدراك . وهي على كلّ حال تذكر اللّه تعالى ، كما قال اللّه تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ( لقمان : 25 ) ؛ وقال : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ( الزمر : 3 ) . وكثير منهم يقرّ بالبعث والجزاء ، ويعترف بالحشر واللقاء ، وكان منهم من رغب عن عبادة الأوثان ، وتفرّقوا في الأديان ، فكانت حمير على / دين موسى ، وكان بنو الدّيّان وأهل نجران وتغلب وغسّان على دين عيسى ، وكانت فيهم الملّة الحنيفية الإسلامية والشّريعة الإبراهيمية ، ومن أهلها كان قسّ بن ساعدة الإياديّ ، وورقة بن نوفل [ 202 ب ] الأسديّ ، وزيد بن عمرو من بني عديّ ، وقتلته الرّوم لذلك ، وقد قيل في خالد بن سنان ما قيل . وكان أسعد أبو كرب الحميريّ أحد التبابعة قد آمن برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قبل مبعثه بسبعمائة عام وقال : شهدت على أحمد أنّه * رسول من اللّه باري النّسم [ 1 ] فلو مدّ عمري إلى عمره * لكنت وزيرا له وابن عم وذكر اللّه تعالى كثير في أخبارهم وأشعارهم . وقد ذكر بعض أصحاب المقالات أن عبد المطلب بن هاشم كان من المهتدين في الدّين ، واستدلّ بأنه أجيب لمّا سأل ، وسقي حين ابتهل ، وذكر النبيّ عليه السلام لعبد المطلب سيف بن ذي يزن ، وحزن على فوته أشدّ الحزن ، وأكّد له العهود ، وحذّره عليه اليهود . ولمّا دعوا دخلوا في الدّين أفواجا ، وأتوه أزواجا ، إلّا من أدركته النّفاسة وحبّ الرئاسة ، وسبقت عليه الشّقوة ، وورم أنفه من النّخوة ، كأبي جهل بن هشام وعامر بن الطّفيل وأميّة بن أبي الصلت ومن كان من ضربائهم وقرنائهم .
--> [ 1 ] التيجان : 455 .