ابن بسام
557
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وقفت على الفضل في هذا الفصل ، ولم تحوجك العصبية والنّفس الغضبيّة ، إلى شهادة الزّور والجور المأزور . وأما الأنالوطيقا والطوبيقا [ 1 ] فهنالك جاءت الأحموقى والأخروقى ، [ 201 ب ] وظهر عجز القوم وتبدلت أفهامهم وركدت ريحهم ، وكثر تريحهم ، وبان أنّهم أغمار ، ليس فيهم إلّا حمار ، وضلّ سعيهم في الحياة الدنيا لما وصلوا إلى حيث تنفرد العقول بنظرها ، والبصائر بفكرها ، والأفهام باستنباطها ، هنالك تاه المحزون ، وخسر المبطلون ، وتفرقوا شذر مذر وعباديد أباديد ، فمنهم الدّهرية القائلون ليس للعالم ابتداء ولا انتهاء ، لا نثبت إلّا بما شهدناه ، ولا نعلم إلّا ما عهدناه ، فأنكروا حجج العقول والعلم / المنقول ، والدّليل والمدلول ، وهم يبصرون تعاقب الأضداد وتعاور الكون والفساد . ومنهم الطبيعيون وهم أيادي سبا وفرق شتّى ، قوم يقولون العالم من أصلين : هوائيّ وأرضيّ ، فجمعوا بين الرّاسب والطافي ، والكدر والصافي ، وعلى هذا الرأي قال المتنبي [ 2 ] : تبخل أيدينا بأرواحنا * على زمان هي من كسبه فهذه الأرواح من جوّه * وهذه الأجساد من تربه ومنهم القائلون [ 3 ] : العناصر أربعة هي بسائط للمركّبات ، فقضوا بائتلاف المتضادات ، وتركيب المتحادّات ، فجمعوا بين النار والماء ، والأرض والهواء . فإن قيل : كيف صارت متظافرة وهي متنافرة ، وغدت متجاورة وهي متعاورة ، وإذا كانت تتهارج ، كيف تتمازج ، أم كيف يمتزج الصاعد بالراكد ويلتبس الحارّ بالبارد ؟ قالوا : جمعها جامع ، وقمعها قامع ، بطبعه لا باختياره ، وبفعله لا باقتداره ، وهذا غاية المحال ، ونهاية الاختلال ، لأنّه لا بد أن يكون الخامس مثلها أو مثل بعضها ، أو مخالفا لكلّها . فإن كان مثلها أو مثل بعضها فلا حاجة بها إليه مع وجود مثله ، وإن كان مخالفا لسائرها فلا بد من سادس لتغايرها [ ثم كذلك إلى غير غاية ] ولم قالوا أربعا ؟ فإن قيل أيها أقدم ولمركزه ألزم ؟ . . . [ قال صاحب الكتاب : وبيّن أبو الطيب بطلان قولهم في احتجاج طويل ، أضربنا
--> [ 1 ] ط د : والطوميقا ؛ ب : والطرنيقا . [ 2 ] ط د س : ذهب بقوله أبو الطيب ؛ وانظر ديوانه : 573 . [ 3 ] ط د س : ومنهم من قال إن .