ابن بسام
412
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
فإذا تصوّرت ما أتاه الدّهر من اجترامه في اخترامه ، وأذهبه باعتباطه من اغتباطه ، وتأمّلت كيف التقمه [ 1 ] الحمام ، واختطفته الأيّام ، وصار مفقودا ، كأن لم يكن مشهودا ، ومنشودا كأن لم يكن موجودا ، وجدت لذلك وجدا لا يسعه الصّدر [ 2 ] ، ولا يقاومه الصّبر ، وأوارا لا تطويه أحناء الضّلوع ، ولا تطفيه أحساء الدّموع . فكأنّا وقد صار حبل حياته إلى بتات ، وسلك مؤاخاته إلى شتات [ لم نستبق يوما في ميدان الصّبا ، ولم تهبّ بنا جنوب وصبا ، وكأنّ كلّ ذلك لمّا انقضى فمضى ، خيال ألمّ ثمّ تولّى ، وغمام أظلّ ثم تجلّى ] . 25 - وفي فصل من أخرى [ 3 ] : محار الفتى شيخوخة أو منية * ومرجوع وهّاج المصابيح رمدد [ 4 ] ألا إنما الدنيا دار كون وفساد ، وسوق نفاق وكساد ، والعمر بالإنسان مضطرب ، والمرء موج مع الأيام منقلب ، وإن للشبيبة صبوة ، وللحداثة هفوة ، وقصارى الطيش ركانة ووقار ، وأوّل قرّح الخيل المعار ، ولم أر [ 146 ب ] كالشباب مطيّة للجهل ، ولا كالمشيب فطنة للعقل : وإن نهار المرء أهدى لرشده * ولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد فإن يكن الصّبا حلية تروع ، فإن الكبرة عطلة أو إمرة تروق : صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه * فلما علاه قال للباطل ابعد [ 5 ] 26 - فصل : ها أنتم - أيّدكم اللّه - قد أظلّتكم الدولة الميمونة ووافتكم الإمرة المأمونة ، ولطالما وردتنا تسير بها الرفاق ، فتطلّعت إليها النفوس وامتدت الأعناق ، وهذه كتائب النصر قد طلعت عليكم بشائر صاحبها ، وأظلتكم قادمة جناحها ، وإنّ من ناصبها فحاول أن يدفع في صدرها ، ويقصر من تطاول عنانها عن شأنها : كناطح صخرة يوما ليفلقها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل [ 6 ] هيهات ! توخّى من الفلك ألّا يستدير ، وابتغى من الشمس ألا تستنير ، واعترض في
--> [ 1 ] م ب : التهمه . [ 2 ] م د ب : الدهر . [ 3 ] هذا الفصل وما بعده ( 25 - 32 ) لم ترد في ط د س والديوان . [ 4 ] لابن الرومي ، ديوانه : 587 ، 586 . [ 5 ] البيت لدريد بن الصمة ، الأصمعيات : 114 . [ 6 ] البيت للأعشى ، ديوانه : 46 .