ابن بسام
401
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الجزء السادس [ فصل ] في ذكر الأديب أبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة [ 1 ] الناظم المطبوع ، الذي شهد [ 2 ] بتقديمه الجميع ، المتصرّف بين حكمه وتحكّمه البديع . « تصرّف في فنون الإبداع كيف شاء ، وأتبع دلوه الرّشاء ، فشعشع القول وروّقه ، ومدّ في ميدان الإعجاز طلقه ، فجاء نظامه أرقّ من النّفس العليل ، وآنق من الروض البليل ، يكاد يمتزج بالرّوح ، وترتاح إليه النفس كالغصن المروح ، إن شئت فغمزات الجفون الوطف ، أو إشارة الأنامل التي تعقد من اللطف ، وإن وصف سراه والليل بهيم ما له وضوح ، وخدّ الثرى بالنّدى منضوح ، فناهيك من غرض انفرد بمضماره ، وتجرّد لحمي ذماره ، وإن مدح فلا الأعشى للمحلّق ، ولا حسّان لأهل جلّق ، وإن تصرّف في فنون الأوصاف ، فهو فيها كفارس خصاف [ 3 ] ؛ وكان في شبيبته مخلوع الرّسن في ميدان مجونه ، كثير الوسن ما بين صفا الانتهاك وحجونه ، لا يبالي بمن / التبس ، ولا بأيّ نار اقتبس ، إلّا أنه قد نسك اليوم نسك ابن أذينة [ 4 ] ، وأغضى عن إرسال نظره في أعقاب الهوى عينه ؛ وقد أثبتّ له ما يقف عليه اللواء ، وتصرف إليه الأهواء » [ 5 ] . نشأ ببلاد الجانب الشرقيّ من الأندلس ، فلم يذكر معه هناك محسن ، ولا لغيره [ 143 أ ] فيه وقت حسن ، ولا أعرفه [ 6 ] تعرّض لملوك الطوائف بوقتنا ، على أنه نشأ في أيّامهم ، ونظر إلى تهافتهم في الأدب وازدحامهم ، وهو اليوم بمطلعه من ذلك الأفق ، يبلغني من شعره ما يبطل السّحر ، ويعطّل الزّهر ، وقد أثبتّ بعض ما وقع إليّ من كلامه ، فتصفّحه تعلم أنه بحر النّظام ، وبقيّة الأعلام .
--> [ 1 ] توفي سنة 533 ه ؛ راجع في ترجمته : قلائد العقيان : 231 ، والمطمح : 86 ، وبغية الملتمس : 202 ، والمطرب : 109 ، والتكملة ومعجم أصحاب الصدفي : 59 ، والمغرب 2 : 368 ، وابن خلكان 1 : 56 ، والخريدة 2 : 147 ، 3 : 548 ( ط . تونس ) ، والمسالك 11 : 255 ، وعيون التواريخ 12 : 312 - 321 ، وصفحات متفرقة من نفح الطيب ؛ وقد أثبت محقق ديوانه مصادر ترجمته ( الديوان : 437 ) ؛ وقد راجعت جميع ما أورده ابن بسام من قصائد ومقطعات على هذا الديوان ، ولكني لم أثبت الصفحات لكثرة ما اختاره المؤلف من شعره . [ 2 ] ط د س : يشهد . [ 3 ] م ب : كعارض إخصاف ؛ وخصاف : فرس مالك بن عمرو الغساني ، فارس يوم حليمة ؛ وقيل غيره ؛ وانظر المثل : « أجرأ من فارس خصاف » في الدرة الفاخرة : 114 . [ 4 ] يريد عروة بن أذينة أحد نساك المدينة في القرن الأول . [ 5 ] ما بين أقواس متفق مع القلائد ، ولم يرد في ط د س . [ 6 ] ط د س : أعلمه . الذخيرة مجلد 3 26 .