ابن بسام

362

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وإن تكن - جعلت فداك - قد أصابك عور ، ونالك منه ضعف [ 1 ] وخور ، / وهو نقص في الظاهر ومزيد في الباطن ، فقد حبيت باجتماع نور البصر وكان متفرّقا ، واتّحاده وكان مبدّدا [ 2 ] ، فقد كان النور مرسلا إلى الحدقتين في العصبتين الجوفاوين ، فلما انسدّ ثقب الواحدة عاد إلى الأخرى موفورا ، وشفع بنورها نورا ، كالحال في القمر يطلع في لياليه البيض ، ساطع السناء باهر الوميض ، يجلو الدياجي ، فيهدي الساري ، فإذا غرقت أعقابه [ 3 ] ، وتكامل غيابه [ 4 ] ، فقدته النجوم ، فاعتراها الوجوم ، ولفّها الليل في ملاءة دياجيه ، وأردف أعجازه ونأى بهواديه [ 5 ] ، فلو جمعت الكواكب منتظمة في القدر ، لكانت أضعاف البدر ، وهي على ما هي عليه من الانتثار ، لا تهدي الساري قصد الآثار ، فبصرك الآن بحمد اللّه أجمع نورا ، وأضوأ شعاعا ، وأنفذ نظرا وأبعد اطّلاعا ، ولذلك قال القائل [ 6 ] : شمس الضحى يعشي العيون ضياؤها * إلّا إذا نظرت [ 7 ] بعين واحده فلذاك تاه العور واحتقروا الورى * فاعرف فضيلتهم وخذها فائده نقصان جارحة أعانت أختها * فكأنّما قويت بعين زائده والعقاب الكاسر ، والنسر الطائر ، وابن الماء المحلّق ، بالإضافة إليك خفافيش ، وبالمقايسة بك أخلاد ، وقد أزريت بزرقاء اليمامة ، / وما يبعد أن تحسب في لحظة ألف حمامة ، وترى حضنا من أقصى تهامة [ 8 ] ، فحدّثنا عن هقعة الجوزاء أو نثرة السرطان : هل هي كواكب صغار منتظمة ، أو [ لطخة ] سحابية [ 9 ] مظلمة ؟ فإنّ بصرك يدرك حقيقة ذلك ولا يكلّ عن نيل مداه ، وبلوغ أقصاه ؛ وأما رؤيتك الثريا سبعة أنجم فهو ما لا يفخر به مثلك ، وإنما يقاس به الحديد البصر ، وأنت في ذلك أقوى البشر . وحدّثنا عن كلف

--> [ 1 ] م ب : ونالك مستضعف . [ 2 ] ط د : وبجبذه وكان ممددا ؛ س : وانحيازه ، خ بهامش س : وبجره . [ 3 ] ب م : عريت أعقاره ؛ ط س د : عرفت . [ 4 ] ط د س : عبابه . [ 5 ] د ط س : وأردف أعجازها بهواديه ؛ وفيه نظر إلى قول امرئ القيس : « وأردف أعجازا وتاء بكلكل » . [ 6 ] هو نصر بن الحسن بن جوشن كما في معجم الأدباء 7 : 208 ( مرغوليوث ) انظر : الغيث 2 : 225 . [ 7 ] ياقوت والغيث : رمقت . [ 8 ] يقال في المثل : « أنجد من رأى حضنا » ، وهذا يعني أن من في تهامة لا يستطيع رؤيته . [ 9 ] س : قطعة . . . ؛ د ط : سحاب .