ابن بسام

344

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي الفضل ابن حسداي الإسلامي وإيراد جملة من نثره ونظمه [ 1 ] : كان أبوه يوسف بن حسداي بالأندلس من بيت شرف اليهود ، فنجم / بأفق سرقسطة في ذرا دولة ابن هود [ 2 ] ، وكان له في الأدب باع ، وبما حمل من أعباء تلك الدولة استقلال واضطلاع ، وقد رأيت له شعرا لم أروه فاجتلبه ، ولا استجدته فأبحث عنه وأطلبه . ونشأ أبو الفضل ابنه هذا صفة احتملها ، وكناية [ 3 ] اختزلها [ 4 ] ، هضبة علاء ، وجذوة ذكاء . وذهبوا [ 5 ] أن جارية ذهبت بلبه ، وغلبته على قلبه ، فجنّ بها جنونه ، وخلع إليها دينه ، وعلم بذلك صاحبها [ 6 ] فزفّها إليه ، ووضع زمامها بين يديه ، فتجافى عن موضعه من وصلها ، أضيع ما كان بين دلالها ودلّها ، أنفة من أن يظنّ الناس أنّ إسلامه كان من أجلها ، فحسن ذكره ، وخفي على كثير من الناس أمره . وهو أحد من عني في هذا الإقليم ، بالنظر في أنواع التعاليم ، على مراتبها ، وتناول الفنون [ 7 ] من طرقها ، وأحكم علم لسان العرب [ 8 ] ، وبلغ الرتبة العليا من البلاغة في الشعر والأدب ، فطارت الكتابة باسمه ، وخلّت بينه وبين حكمه ، ولم يكن له بالشعر [ 124 أ ] فضل عناية ، فلم يجر منه إلى بعيد غاية ، وقد أثبت من كلامه ما تعلّق [ 9 ] بحفظي ، ووقع في شرط صدري ؛ وكان بالجملة كما وصفه أبو عبد الرّحمن ابن طاهر في فصل من خطاب خاطب به المقتدر بن هود يقول فيه [ 10 ] : « والوزير / الكاتب أبو الفضل ، وحيد الفضل وينبوع النبل ، وما عداه قول القائل :

--> [ 1 ] حسداي بن يوسف بن حسداي : له ترجمة في المغرب 2 : 441 ، والمطرب : 196 ، والقلائد : 183 ، والخريدة 2 : 480 ( 3 : 460 ) ، وطبقات صاعد : 77 ، وابن أبي أصيبعة 2 : 50 ، ونفح الطيب 1 : 535 ، 640 ( نقلا عن القلائد ) 3 : 667 ، 293 ، 401 ، وبدائع البداية : 367 . [ 2 ] ب م : ابن رزين . [ 3 ] ب م : وكتابة . [ 4 ] س : صفة جملها وكناية حملها . [ 5 ] انظر : نفح الطيب 3 : 401 . [ 6 ] ب م : صاحبه . [ 7 ] ب م : العيون . [ 8 ] ط د س : علم اللسان العربي . [ 9 ] ط د س : علق . [ 10 ] ط س د : في رقعة خاطب بها . . . قال فيها .