ابن بسام

335

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

المذهب ، قلت : أيدك اللّه ، إن من أرسل رسولا في مهمّ تطلّع ، ومن رجا صديقا لدفع ملمّ توقع [ 1 ] ، لا سيما إن رجاه شفاء من الخطب ، واستهداه هناء لموضع النقب ، فقد تعلم كيف نظر [ 2 ] السقيم إلى العائد ، وناهيك إن كان طبيبا ، والتفات المقيم إلى الوارد ، ويكفيك إن أورد محبوبا [ 3 ] ، وإن رئيسي - معظمك - أرسلني إليك وانتظر ، وأوفدني عليك ثم استمطر ، وقد رأى أن إسعادك مراده ، وإنجادك [ 4 ] مراده ، فلوى عنك ما بطّأ السّبّاق ، وعاق دونك ما أخّر اللحاق [ 5 ] ، حتى تطاول الزمان ، وحالت الأحيان ، وفي ذلك من تعذيب نفسه ، وإرجاء أنسه ، ما يدعو إلى إشفاقك من شغل باله ، وارتماضك من نكد حاله ، إذ لا يلذّ بحال حتى يدري ما له عندك ، في [ 6 ] حلوه ومرّه ، ولا ينعم ببال حتى يجتلي ما تنهيه إليه من جدك ، في يسره وعسره ، فلك الفضل في إيشاك إيابي ، وإراحة مآبي ، حتى أسرع بسرّائه ، وأقطع بما يزيد في مضائه . فخاطبت بما اقتضيته [ 7 ] من إيجابي ، وألفيته من سريع اطلابي ، وكتبت إلى الوزير أبي الوليد ابن زيدون [ 8 ] برقعة أقول فيها : لم أزل منذ فارقت الشّرق ، وتخلفت ذلك الأفق ، أتقلّب بين [ 9 ] ثلج يكفّن ، ووحل يدفن ، وريح تبعث من في القبور ، ورعد ينفخ في صور النشور [ 10 ] ، وبرق يرمق [ 11 ] أصحاب الجحيم ، ويريهم صورة العذاب الأليم ، إلى أن وصلت محلّ [ 12 ] العليا ، ومنتهى سدرة الدنيا ، حضرة / المعتضد باللّه وقلت : فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( الرعد : 24 ) ما ينكر لأهل الجنة السلوك على متن النار ، وكنت أسمع أنباءه فأستغرب ، وأنزع تلقاءه [ 121 أ ] فأستدني وأستقرب ، حتى رأيت عيانا ، واستوضحت بيانا ، فإذا الخبر أزرى بالخبر ، [ والعيان أربى على الأثر ] ، وقلت : بحق سأل الكليم رؤية الربّ ، وقال

--> [ 1 ] ط د : يتوقع . [ 2 ] المسالك : ينظر . [ 3 ] ط د س : حبيبا . [ 4 ] د : وإنجازك ؛ ط س : وإيجازك . [ 5 ] المسالك : وعانق . . . العناق . [ 6 ] المسالك : من . [ 7 ] المسالك : اقتضبته . [ 8 ] ب م والمسالك : ريان . [ 9 ] المسالك : في . [ 10 ] المسالك : في الصور . [ 11 ] ط س : يؤمن . [ 12 ] ط د س : محلة .