ابن بسام
324
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وألبس الصبح المستنير ، وقلّد قلادة الطاوس ، ونقّط نقط العروس ، فممن يقول هو قبّة [ 1 ] الفلك ، وممن يقول هو السماء ذات الحبك ، وإنهم لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ( 9 ) ( الذاريات : 8 ، 9 ) [ 117 أ ] ونظرنا في صدره من الملك الهمام ، كالشمس تجلّت من الغمام ، فقضينا فرض السلام ، وأخذنا مراتب القعود إلى الطعام ، يطاف علينا بصحاف من فضة وذهب ، وجفان كالجواب أترعت من كلّ أرب ، فلما أتينا على الريّ قمنا إلى الوضوء ، فجيء بطساس من التبر ، وأباريق رصّعت بالدرّ ، ووضأنا بماء قوامه بلور ، ومزاجه كافور ، ثم قمنا إلى المصنع « الزاهر » ، وهو نظير « التاج » من الجانب الآخر ، لما أعدّ فيه للشراب [ 2 ] ، ما بهر الألباب ، فألفينا موردا عذبا ، ومحلا [ 3 ] رحبا ، كأنّ أطباقه مقل الجفون ، ملئت من قرّة العيون ، وأكواسه مراشف الحور ، تعلّ بنطف الثغور ، طلعت منها شجرة مباركة النّوى أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( إبراهيم : 24 ) صيغ عودها من الحلي المنيل [ 4 ] ، وقام عمودها كأنبوب السّقيّ المذلّل [ 5 ] ، والتفت بأغصانها [ 6 ] / التفاف الذوائب الجعدة ، والتقت أفنانها التقاء الصّعدة بالصّعدة ، فبينا نحن نعجب من شأنها ، ونستغرب مناظر زهرها وأفنانها ، إذ سطع من جرثومتها دخان المجمر ، وارتفع من خلال لبسها [ 7 ] غبار العرف المعطّر ، من دون أن تبدو إلى العيان نارها ، ويعلم أين يوقد هنديّها وغارها ، فقلنا : تبارك اللّه كيف تحرق نار تخالها هامدة ، وتورق [ 8 ] أشجار تحسبها جامدة ، إن الذي أنطق الجذع والحصى [ 9 ] ، وخلق الحية من العصا ، والنار [ 10 ] بعد
--> [ 1 ] د ط س : هيئة . [ 2 ] المسالك : من الشراب . [ 3 ] المسالك : ومجلسا . [ 4 ] ب م : الحيل المنيل ؛ والمنيل من اللاتينية nigllum أي المرصع أو المزخرف ( انظر ملحق دوزي ) ؛ أما « الحيل » حسب قراءة ب م فيمكن ربطها بلفظة « محيل » التي أوردها القلعي ( الكالا ) في معجمه بمعنى مصنوع أو صناعي ( انظر ملحق دوزي 1 : 342 ) . [ 5 ] من قول امرى القيس ( ديوانه : 17 ) : وكشح لطيف كالجديل مخصر * وساق كأنبوب السقي المذلل والأنبوب هنا ساق البردي ، والسقي : البردي الناعم ، والمذلل : الذي جمعت أطرافه ليجنى . [ 6 ] المسالك : أغصانها . [ 7 ] د ط : ملبسها ؛ المسالك : لبتيها . [ 8 ] ب م : وتروق . [ 9 ] د ط س : انطق الحصى . [ 10 ] المسالك : وأطفأ النار .