ابن بسام
319
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
به ، فأوصيت إلى أصحابي باحتضار [ 1 ] سيوفهم ، واطّراح ما عداها من سلاحهم ، ولبست أنا [ أيضا ] تحت ثيابي درعا حصينة ، والتقينا ، ثم تجارينا في فنون القول ، فإذا / بفارسين من عبيده قد جمعا رمحيهما فيّ ، وثالث قد سبق إليّ ، يمسك [ 2 ] عنان فرسي ، إلّا [ أنّي ] ركضته ، فخرج بعتقه ، واستلّ أصحابي عند ذلك سيوفهم ، وأدركتهم حفائظهم ، فحملوا إليّ وفرّ أولئك عني ، واكتنفني أصحابي ، فانصرفت وبي طعنات قد واقعتني على الذراع لم يعظم بحمد اللّه كلمها ، وانصرف الغادر قد أدحض اللّه سعيه ، وأبطل بغيه ، يعضّ بنانه [ 115 ب ] أسفا ، ويقرع سنّه ندما ، ولا صفقة كصفقته الخاسرة ، ولا سوء كفعلته الفاجرة ، فلما وصل إلى بلده أراد ستر الحال بزعمه ، وتوهيمها على ما جرى في وهمه ، فأشاع أن النصارى الذين كانوا معه أرادوا غدري وغدره ، وخرق في ثيابه [ 3 ] خرقا زعم أنه أثر رمح أشرع إليه ، فكان اعتذاره بهذا العذر [ 4 ] زائدا في ذنبه [ 5 ] ، وإتيانه بهذا البهت الظاهر مادة لجرمه ، وهيهات أن يخفى ما شهر ، أو يجوز ما زوّر ، وما يوم حليمة بسرّ [ 6 ] ، ولا على وجه النهار من ستر . فرأيت مساهمة الأولياء والحلفاء بصفة الحال ، وعرضها من المبدأ إلى المآل ، فقدمت منها نحوك ما اقتضاه تقدّم حالك في نفسي وخلدي ، لتعرض ما وصفته على حسن نظرك ، وتعتبره بصدق تدبرك ، فتزن مؤثر هذه الحال بوزنه ، وتقدّر محتقب شرها بقدره ، واللّه قبل وبعد أعدل من قضى وحكم ، وأحقّ من أثاب وانتقم ، وهو تبارك اسمه المستعدى على من اعتدى وظلم [ 7 ] .
--> [ 1 ] ط د س : باحتضان . [ 2 ] ط د س : في رمحيهما . . . سبق إلى مسك . [ 3 ] ط د س : ثوبه . [ 4 ] ط د س : فكان عذره ذلك . [ 5 ] ط د : لهمه . [ 6 ] انظر : فصل المقال : 127 ، 486 ، والميدني 2 : 150 ، والعسكري 2 : 194 . [ 7 ] في د ط س هنا زيادة تتصل ببعض ما قاله ابن حيان حول الخلاف بين الأخوين ، وقد جاء فيها : « ووصف ابن حيان أيضا ذلك ، وزاد في الحديث هنالك أنه اختلط الفريقان . . . كالتي كانت من قبل » . وقد تقدم هذا فلم أثبته هنا .