ابن بسام

312

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ناداني [ 1 ] بلسان وداده ، وأومأ إليّ ببنان اعتقاده ، وأطار نحوي طائر الارتياد ، فلم يقع مني إلّا على ثمرة الفؤاد ، وحنّ إليّ حنين الألوف الأليف ، وواصلني مواصلة الحليم الحليف ، وأهدى إليّ نزاعه ، وألقى عليّ بعاعه ، / فكيف لي أن أعدل عمن إليّ أقبل ، وأصدف عمن بي كلف ؟ فعارضتني أشدّ المعارضة ، وناقضتني أبلغ [ 2 ] المناقضة ، هيهات ! لا يبلغ الخضم بالقضم ، ولا ينتهي منال الكفّ إلى [ 3 ] مباراة النجم ، فاسلك النهج القويم ، فمنك من أعتبك ، وأخوك من صدقك ، فوجدتني بين حالي اضطرار ، ليس فيهما حظ لمختار [ 4 ] ، فإما أن أعتمد المخاطبة ، وألتزم المكاتبة ، على علاتي ، ونبوّ شباتي ، بطبع كليل ، وذهن غير صقيل ، وإما أن أرفض المراجعة رفض المليم ، فأكون عين الجافي [ 5 ] الذميم ؛ فأنفذت كتابي مبتغيا وجه موافقتك وإرضائك ، ومتوخيا مضمون تغمدك وإغضائك ، وأنك إن ألفيت حسنا تناهيت في نشره ، أو عاينت قبيحا طويته على عرّه ، وبودّي أنّ معتمدي لا يسلّط عليه حقيقة نقده ، ولا يصرف إليه مرهف حدّه ، وأن يلمحه بأقلّ لمح ، ويسمح فيه أفضل سمح . وأما ما أرجع إليه وينطق لساني به من الإشادة بالشكر ، الذي أبغيه سمة في وجه الدهر ، والكناية عن العهد الذي هو أثبت من ثبير ، وأطيب من الماء النمير ، فلو أمكنني أن أوصله إليك على متون الرياح لأوصلت ، ولو أتيح لي أن أمثّله لك حتى تراه لمثّلت ، وقد استوفيت ما جال به بيانك الذي عذب منهله ومشربه ، وشفّ جوهره ورفّ ذهبه ، [ 113 أ ] واصفا وصف المستكمل ، وموضحا إيضاح المحتفل ، وفهمت ما نصصته / فيما سنّت لك عوائد الأيام ، من الانتباذ [ 6 ] عن الطوائف اللئام ، الذين ألبستهم ملابس الملام [ 7 ] ، وحلّيتهم بحلى المذامّ ، حتى لشغلت بوصفهم الأفكار ، فأوجبت الاستعاذة والاعتبار ، وأتيت بأغرب الشّنع ، في ما أوردت من تلك اللمع ، وسردت القول الرفيع

--> [ 1 ] ب م : قد نادى . [ 2 ] ط د س : أشد . [ 3 ] ط د س : مقال إلى . [ 4 ] من قول الأعشى : فقال ثكل وغدر أنت بينهما * فاختر وما فيهما حظ لمختار [ 5 ] ب م : الخافي ؛ ط د س : الجاني . [ 6 ] تلخص هذه الفقرة من أولها في ط د س فجاءت : وقد وقفت على ما وصفته من الانتباذ . . . الخ ؛ وصدرت ب « وفي فصل » . [ 7 ] ب م : الأيام .