ابن بسام
308
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
أطال اللّه بقاء سيّدي ، وجعل درج [ 1 ] المعالي مستقرة تحت قدمه ، وسرج المساعي مسفرة عن بوارق هممه ، وظامئات الأماني رويّة من لعاب سنّ قلمه ، وعذبات الإقبال منوطة بألوية عزائمه وآرائه ، وسطوات الأقدار مربوطة بأروية [ 2 ] مآربه وأنحائه ، وصبّ نوب [ 3 ] الزمان على حسدته وأعدائه . وفي فصل منها : وقد كانت - [ أيدك اللّه ] [ 4 ] - رياض أخباره تزهر عندي بنوّار خلائقه الزكيّة التي هي أشهر من فلق الصباح ، وتعبق بمحاسنه [ 5 ] الرضيّة التي هي أسير في الآفاق من هبوب الرياح ، [ 111 ب ] فتلطف بنوافر الأرواح ، حتى كأنها المصافاة بين الماء والراح ، فترتع الأسماع / من نضارتها في مرتع خصيب ، وترفل من غضارتها في ثوب من الأنس قشيب ، فللّه هذه المناقب التي جعلت العين حاسدة للأذن ، والفضائل التي حاجزت [ 6 ] بين القلب والبدن ، فكلما ازدادت بالأخبار بضائعها أرباحا ، ازدادت النفوس إلى تبضّعها طربا وارتياحا ، وكلّما ركضت دهمها في ميادين الفضائل مراحا [ 7 ] ، استفادت بالإحماد غررا وأوضاحا . ومنها : وكنت مررت ببلاد شموس الفضائل [ 8 ] في آفاقها مكسوفة ، وعيون العلم والآداب [ 9 ] في عرصاتها مطروفة ، وستائر الأحرار بين أهلها مهتوكة مكشوفة ، وجنباتها بأنواع البلاء محفوفة ، وقد نضبت في رباعها مياه الأمانة والأمان ، ونبعت بين أهلها عيون الخيانة والبهتان ، وضعف حبل الديانة [ 10 ] فيهم والإيمان ، فجنحوا إلى جحود النعم والكفران ، وتوسّعوا في مطاوعة [ 11 ] الظلم والعدوان ، فأبدلهم اللّه من النور في أحوالهم ظلاما ، وبالحلال في مكاسبهم حراما ، وخصّ أسعارهم بالغلاء ، وجمعهم بالفناء ،
--> [ 1 ] د ط س : درجة . [ 2 ] الأروية : الحبال ، المفرد : رواء . [ 3 ] د ط س : وصرف نوائب . [ 4 ] لم ترد هذه الزيادة في س . [ 5 ] د ط س : محاسنه . [ 6 ] ب م : فاخرت . [ 7 ] ب م : فراحا . [ 8 ] د ط س : الفضل . [ 9 ] د ط س : والأدب . [ 10 ] ط د : الأمانة . [ 11 ] د ط س : مطالعة .