ابن بسام

288

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

منها أنه جعل الدنيا هي الأرض ، والأرض هي الدنيا ، على تحلّيه بعلم المنطق الذي لو علمه لم ننفس عليه علمه ، ولم نغبطه حمله ، ولم [ يعلم ] أنه يقال : الدنيا محيطة بالأرض ، وليست الأرض محيطة بالدنيا ، والدنيا جنس ، والأرض تحتها نوع ؛ وفي الحديث الصحيح : « سماء الدنيا » وفي الدنيا الخلق الروحاني ممن ليس في الأرض ؛ ومنها : أنه لم يعلم أن من رسم العرب وفصاحتها تكرير المعنى إذا اختلفت الألفاظ ، قال تعالى : وَغَرابِيبُ سُودٌ ( فاطر : 27 ) ، وقال : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( الحجر : 03 ، ص : 73 ) [ ومشبهه في كلام العرب كثير ] ولا فرق بين من لم يعلم هذا والعدم : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( الحج : 22 ) . وردّ قولنا : « ولا أظلم أفق كان شمسه » ، أنكر « أظلم » وردّه « دجا » . / الجواب : هذه الداهية الشنعاء ، والقضيّة الشوهاء ، يدّعي علم الكلام ، من لا يعرف الإصباح والإظلام ، لقد كان ملفّفا فانكشف ، ومنكورا [ 104 أ ] فاعترف : وكان كعنز السوء قامت بظلفها * إلى مدية تحت التراب تثيرها [ 1 ] ثم ختم رقعته يقول [ 2 ] : أتيت بمنطق العرب الأصيل * وكان بقدر ما عاينت قيلي فعارضه كلام كان فيه * بمنزلة النساء من البعول وليس يصحّ في الأوهام شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل قال أبو الأصبغ : وما أنكر عليّ إلّا كلّ لفظة جاءت مع أختها كما اقترن الكوكب والسّعد ، والتقى الجيد الأغيد والعقد ، وشانوا ببعرهم الدرر ، وبحممهم الغرر ، وكان كلامهم كالبرص في أديمه ، والكسوف في نجومه ، وعلم اللّه أنّهم لو ردّوا مردّا ، وتحدّوا متحدّى ، وذهبوا صددا [ 3 ] ، لما أنفت ولا قلقت ، ولا حرجت ولا ضجرت ، ولأنصتّ وأنصفت وانقدت ، فقد قال السلف الصالح : رحم اللّه من أهدى إلينا عيوبنا ؛ وقالوا : الفاضل من عدّت سقطاته ؛ وقال عليه السلام : « ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه » . والمرء

--> [ 1 ] البيت للفرزدق ، ديوانه : 71 ، وانظر : فصل المقال : 362 ، والمعاني الكبير : 876 ، 1209 وروايته : تحت الثرى تستثيرها . [ 2 ] الأبيات للمتنبي ، ديوانه : 334 . [ 3 ] هذه العبارة مبنية على الإفراد في د ط س : وشان ببعره . . . وبحجمه . . . وكان كلامه . . . الخ .