ابن بسام
28
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
غلّبته على الصبح المبين [ 1 ] : أنا أنزّه ميزك الثاقب ، ونظرك الصائب ، ورأيك الواضح الدلائل ، وما أوتيت من علم جوامع [ 7 ب ] الفضائل ، عن انتساب مثل ذلك إليك ، واشتباه ما فيه عليك ، وكنت عهدتك تقضي بالخير على طباع الناس ، ولا يوضع على بصيرتك فيه غطاء التباس ، حتى فجأني [ 2 ] منه ما لو أخبرت به عنك لأنكرته ، ولا أدري له سببا ، ولا [ 32 ] أعرف / له موجبا ، إلّا الإصغاء إلى من يضرّب ويسعى بالفساد ، ويدب بعقارب الأحقاد ، ويشغب لكي يذكي نار الحرد ، ويطير شرار الضّمد [ 3 ] ، وأنت أجل من أن تلتفت إلى غاشّ ، أو تعرّج على ساع بالنميمة واش . ومنها : وأما ذمّ الزمان وبنيه ، فقد أكثر الناس فيه ، وكنت أجلب شيئا [ منه ] للحاجة إليه والتورّك [ 4 ] عليه ، غير أني اقتصرت مخافة التطويل ، وتجنبت آفة التثقيل ، فقد قالوا : الإطالة تفضي إلى الملالة . وأما من صرّحت في مدرجتك باسمه ، وشكواه إليك ما جرى عليه بزعمه ، فهو سعّر نارا غدا حريقها ، وفجّر أنهارا ظلّ غريقها ، وأمره أحقر من أن أحبّر [ 5 ] فيه كلما ، وأعمل في ذكره قلما . ومن قولك - أعزك اللّه - أن العهد بك بعيد ، والشوق إليك شديد ، وتعريضك بقرب النزول عليّ ، والخروج عما تريده من الشكوى إليّ [ 6 ] ، خرج لي أنّ الذي اتفق لي في زيارتك من الإغباب ، سطّر أسطر هذا العتاب ، فمهلا مهلا ، وحلا حلا ، وربّ سامع بأمري لم يسمع عذري ، واللّه ما اعتمدت [ 7 ] ذلك جهلا بحقّك ، ولا قصدته إهمالا لواجب تقدّمك [ 8 ] وسبقك ، بل دفعت إليه ضرورات مكابدة أحوال هذا الزمان ، القاطعة عما يريده الإنسان ، ولئن نافس الدهر في الورود عليك ، والوصول إليك [ وأحوج إلى ترك النهوض إليك ] فليس ذلك مما يخلّ بالودّ ، ولا [ 33 ] يحلّ وثيق العهد ، بل أنت كالشمس / إن عدمنا مدارها [ 9 ] ، فما حرمنا أنوارها ، وقد علمنا أن مكانها عليّ ، وحسنها جوهريّ ، وكان من الحكم أن أراجع على النظم ، لكن
--> [ 1 ] س : الحق المستبين . [ 2 ] د ط : فاجأ ؛ س : فجأ . [ 3 ] الضمد : الحقد . [ 4 ] م : والتورد . [ 5 ] م : أجري . [ 6 ] د ط س : لذي . [ 7 ] س : هذا واللّه ما اعتمدته . [ 8 ] م : د ط س : تقديمك . [ 9 ] ب : من نارها .