ابن بسام

273

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وتظافر من جميعهم على خدمتها ، فقد علت يد الإسلام ، واحتمى عزّه أن يضام ، وجانبه أن يرام ، وشملت نعماها الأقطار ، وأمدّت أقاصي [ 99 أ ] الديار ، وأبرّت على نأي [ 1 ] المزار ، فهي جماع الدين ، وردء المؤمنين ، ومحفل المسلمين . وفي فصل منها : ومما وجب التعريف به ما عمّ أقطار ثغرنا ، وغشي مجامع أفقنا ، من تمالؤ النصارى [ 2 ] وتضافرهم من كلّ أوب إلينا ، بجمع لا عهد بمثله ، ملأ الفضاء ، وطبّق الأرجاء ، وشغلنا بالفتنة بيننا عن تخفيف وطأتهم ، وتضعيف سورتهم ، فطمسوا الآثار ، وجاسوا خلال الديار ، موفورين لا مانع منهم ، ولا دافع لهم إلّا التفاتة اللّه تعالى لأهل دينه بأن أقلّ فائدتهم [ 3 ] ، وخيّب مرامهم ، وأطاش سهامهم ، والحمد للّه على منحته ومحنته . وله عنه من أخرى إلى مقاتل العامريّ : ولما اعترفت السعادة بارتباط ودّك ، والاغتباط بوثيق عقدك ، رأيت أن أسلك بابني السبيل المثلى ، والمنهج الأهدى ، ويعلم أني نظرت له بأحسن ما نظر والد لولده ، وحبا به أحد لفلذة كبده ، حتى يكون إن أدركتني قبلك وفاة ، وكانت له بعدي إناة ، قد ظفر بأمل ينعمه ، وأوى إلى جبل يعصمه ، أو تمادت لي معك حياة ، وتطاولت لي ليلات ، لم يضرره [ 4 ] أن يعلق بيدين ، / [ ويعتمد على ركنين ] ، ويسند إلى أبوين ، فأنت الوالد وهو الولد ، والساعد وهو اليد ، بل قد اتصل بك اتصال الخلب بالكبد ، وحلّ منك محلّ البنان من الكفّ والعضد ، ومن حلّ في ذراك ، ولاح في يمناك ، فهو الشهاب الثاقب ، والحسام القاضب ، كما أنّ من عدّ في ذويك ، واعتدّ في بنيك ، فلن يقصّر إن شاء اللّه عن معادلة الكهول وإن صغرت سنّه ، ولا يتأخر عن مقارعة النصول وإن لان غصنه [ 5 ] ، فإنما يزاحم منك بعود [ 6 ] ، ويطاول بطود ، ويقاتل بجمع ، وينازل بنبع ، ويقضي على الأيام بظهير ، ويصول على الدهر بأمر كبير . ولما أذمّ إليك بهذه الحال ، ودبّت به نشوة الإدلال ، تمنّى أن توطئه [ 7 ] الريح

--> [ 1 ] ب م : نائي . [ 2 ] ط د س : العدو . [ 3 ] ط د س : أفل قائدهم ؛ ط وخ بهامش س : بل أفل . [ 4 ] ط د س : يضره . [ 5 ] ب م : عضبه . [ 6 ] من المثل : « زاحم بعود أودع » ( الميداني 1 : 216 ) أي لا تستعن إلا بأهل السن والتجربة . [ 7 ] ط د س : ولما رغب أن توطئه . . . الخ ؛ وفي ب م : تطويه . الذخيرة مجلد 3 18