ابن بسام
24
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
رشيق تحت المثل : « أنفقت مالي وحجّ الجمل » [ 1 ] . ولابن طاهر عدة نوادر أحرّ من الجمر ، وأدمغ من الصخر : أرسل إليه ابن عمار وقت القبض عليه ، وهو معتقل بين يديه ، يعرض له خلعة يتسربلها ، ويشير إليه بكرامة : هل يقبلها ؟ فقال لرسوله : لا أختار من خلعه - أعزّه اللّه - إلا فروة طويلة ، وغفارة صقيلة [ 2 ] . فعرفها ابن عمار واعترف بها على رؤوس أشهاده ، وبحضرة من وجوه قواده [ 3 ] وأجناده ، وقال : نعم إنما يعرّض بزيّي يوم قصدته ، وهيئتي حين أنشدته ، فسبحان من يعطي ويمنع ، ويرفع من يشاء ويضع . وحدثني غير واحد من أهل مرسية قال : لما قام البلد على ابن طاهر خرج هو وابن أخيه مخفيين لأنبائهما [ 4 ] ، هاربين بذمائهما ، وكلّ شيء لهما رصد ، وفي كلّ فجّ عليهما عين ويد ، فلقيا رجلا من أهل مرسية / يدعى البقيلة [ 5 ] ، كان عندهم مشهور المنزع ، مضروبا به المثل في برد القطع ، وقد حمل قناة فاعتقلها ، ولبس فروة فحوّلها [ 6 ] ، وفي رأسه قلمون طويل ، أبرد من طلعة العذول ، فقال ابن طاهر لابن أخيه : يا بنيّ أين المهرب ؟ قد قامت علينا كلّ قبيلة حتى العرب ، ما أرى هذا [ 7 ] إلا عمرو بن معديكرب أو يزيد بن الصقعب . وحكوا أن ابن أخت لابن رشيق ذا لحية طويلة ، وطلعة ثقيلة ، وقف عليه يوما وهو معتقل عندهم ، فجعل يتوجّع [ 8 ] له ويتفجّع ، ويتملّق معه [ 9 ] ويتصنّع ، فقال له ابن طاهر : خلاصي بيدك إن شئت ، لو أخرجتني في لحيتك لتخلصت وخفيت . إلى نوادر كثيرة ، وأوابد عنه مأثورة ، إيرادها خارج عن غرض هذا التصنيف ، وليست من شرط هذا التأليف .
--> [ 1 ] من أمثال المولدين ، انظر : الميداني 2 : 211 . [ 2 ] ط س : ضئيلة . [ 3 ] ط د س : كتابه . [ 4 ] م ب : مخففين لأثيابهما . [ 5 ] ب : البقبلة ؛ ط د س : النفيلة . [ 6 ] ب م : فرق لها . [ 7 ] ط د س : ما هو إلا . [ 8 ] ط د س : يتوقع . [ 9 ] ط د س : له .