ابن بسام
232
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
في بقايا بقيت عليه ، وأنت بفضلك تحملها [ 1 ] في مالك ، ولا يضيق عنها حالك ، حتى تفوز وحدك بأجرها ، ولا يسهم لغيرك في ذخرها ، وتنفرد بجمال الذكر في خبره [ 2 ] ، وتتلافى ما اختلّ من أمره ، / فهو ممن يقوم للمسلمين مقام الأعداد ، في مواطن الجهاد ، ومواقف الجلاد ، واللّه على ذلك مؤيّدك ، وهو بمنّه مسدّدك . وله في فصل من أخرى : توهّم الشيخ - أبي ، شاكرك - أن الأدب شيء يشرف حامله ، ويكسب الجاه ناقله ، فأراد أن يستعين على ما رغب ، وليس عنده أنه مع الخطوب خطب ، ومع الزمان على منتحليه إلب ، ولا في علمه أن الأيام لا تمكّنني من دفع مضرّة عن ذراي ، فكيف عن جلب منفعة لسواي ، ولا في حسابه أنّ من كانت سعوده مولية ، ونحوسه مستعلية ، فبعض خاذليه في النصرة اليد ، وأوّل مسلميه عند الحاجة العضد ، وقد سمع - أعزّك اللّه - أن لي نصيبا من ودّك ، فألحّ عليّ في قصدك ، لأرغب له وأسأل ، وقد عزمت أن أفعل ، لكن رأيت الرقعة بالسؤال أسمح ، والقلم في الرغبة أفصح وأنجح ، فلذلك جعلت الخطاب عوضا ، وتركت من القصد مفترضا . وله من أخرى : غير ذاهب عنك - أيدك اللّه - ما في جبلّة الإنسان ، من الحنين إلى الأوطان ، وأنّه لا يفارقها في أكثر الأحيان ، إلا باضطرار ، ولا يخرج عنها إلا غير مختار ، ومهما طال اغترابه ، وكثر في البلاد اضطرابه ، ولها عنه بإسعاد من الزمان ، وتسلّى بضروب من السّلوان ، فلا بدّ للنفوس من اشتياق إليها وتولّع ، ونزوع نحوها وتطلّع ، وقد أشار إلى العلّة في ذلك المتقدّمون والمحدثون ، وأوضحها بعد المولدون [ 3 ] ، وعبّروا عنها بغير ما عبارة حتى اتضح وضوح النهار معناها ، وانتهت منها الأقوال [ 4 ] / منتهاها ، واستوى في معرفة سرّها وخبرها ، واستغني باشتهارها عن ذكرها ؛ وإحاطة علمك بحال الوزير الكاتب أبي فلان [ 5 ] من بدئها إلى انتهائها ، يغني لك عن ذكرها وإجرائها ، ولما دخل إلى بيضته التي منها خرج ، ووكنه [ 83 ب ] الذي منه درج ، تذكّر حال أولاده فجذبته إليه جواذبها ، وغلبته على رأيه غوالبها ، ولم يتماسك أن حنّ إلى العودة لمغناه ، فحسّنت له ما اعتزمه ورآه ، ولم أر بأسا في تحوّله من ناحيتك إلى ناحيتي ، فليس بمفارق
--> [ 1 ] د : تتحملها ؛ ط : لتحملها . [ 2 ] كذا في الأصول ولعل الصواب : « جبره » . [ 3 ] د ط : بعض المولدين . [ 4 ] د ط : الأقوال منها . [ 5 ] ط د : بحالة فلان .