ابن بسام

228

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أتصفّحه ، فلم يتخلّص لي منه [ 1 ] محصول ، ولا تأتّى إليّ فيه معقول ، حتى كأنه سفط مبنيّ ، أو على غير شيء مطويّ . فبعد [ لأي ] ما انفكّ لي في صدره : « قرأت كتابك » لا غير ، وليت سيدنا تفضّل وأبان ، عن أيّ الكتب كان ، فنعلم بذلك الوقت [ 2 ] والأوان ؛ واستحييت - وحياتك - منه لك ، وخجلت عنك ، وبهتّ في مغزاك ، ولم يتّجه لي وجه منحاك ، وقلت : ما الشأن الذي أراد ، وما هذه الألوان [ 3 ] ؟ وأين تلك الفطنة الذكيّة ، والعبارة الجليّة ؟ وما فعلت تلك البديهة الرائعة ، والبلاغة البارعة [ 4 ] ؟ وأيّ شيء غال ذلك الطبع الذي كان يسحر ، وكيف غاض ذلك البحر الذي كان به يزخر ؟ . / وله من أخرى في مثله [ 5 ] : وكنت عهدتك [ 6 ] لا تمتنع من مداعبة [ 7 ] من يداعبك ، ولا ترتفع [ 8 ] عن مراجعة من يخاطبك ، فمن أين حدث هذا التعالي ، وما سبب هذا التغالي [ 9 ] ؟ عرّفني - جعلت فداك - [ ما الذي عراك ] [ 10 ] وكأني أراك تتوقد في قعدتك ، وتتشاوس في نظرتك ، فما تكلّم إلّا إن ابتسمت [ 11 ] ، ولعلك رأيت الحضرة منذ زمان خلت [ 12 ] من قاض فطمعت في خطّة القضاء ، لأنها أشرف خطط السناء ، وجعلت تأخذ نفسك بأهبته ، وترشح لرتبته ، وأنت الآن لا شكّ تتفقّه في الأحكام ، وتطالع شريعة الإسلام ، وهبك تحلّيت بهذا السّمت ، وتهيأت لهذا الدّست ، ما تصنع في قصة السبت [ 13 ] ؟ دع عنك هذا التخلّق وارجع إلى أخلاقك ، وعد في إطراقك ، واجر مع

--> [ 1 ] ط د : فلم يتحصل منه . [ 2 ] د ط : لتعلم به وبالوقت . [ 3 ] ط د : الأوان . [ 4 ] د ط : الرائقة . [ 5 ] القلائد : 108 ، والخريدة 2 : 353 ، والعطاء الجزيل : 32 مع حذف بعض عباراتها . [ 6 ] ب م : أدريك . [ 7 ] العطاء : عادية . [ 8 ] القلائد والخريدة والعطاء : تنقبض . [ 9 ] ط د : التغالي . . . التعالي ؛ العطاء : التقالي . [ 10 ] زيادة من العطاء الجزيل . [ 11 ] ط د : تبسمت ؛ وهو من قول الشاعر : يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم [ 12 ] العطاء : الحضرة قد خلت . [ 13 ] ذكر صاحبا القلائد والعطاء الجزيل : أنه خاطب بهذه الرسالة ابن حسداي ، فقصة السبت تعني أنه كان من قبل يهوديا .