ابن بسام
223
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
وتشرب من المدامع أوشالها ، والقلب من جزع يضطرب ويخفق ، ويطفو في أشواقه ويغرق ، وكلما خطت المطيّ باعا ، خفت على كبدي انصداعا ، وما كنت ممن يكلف ويشفق [ 1 ] ، ولكن من أبصر ما أبصرت فبالضرورة يعشق [ 2 ] ؛ ويا شوقاه ! ويا حرّ قلباه ! من لي بالشعب أن يلتئم ، وبذلك الشمل أن ينتظم ، كانتظامه في مشاهد جمعت أشتات الأنس ، واحتفلت [ 3 ] من منى النفس ، وتناولت الراح من يد القمر والشمس ، بين بساتين نشرت عليها تستر ألويتها [ 4 ] ، وأهدت إليها صنعاء أوشيتها [ 5 ] ، وذوب اللجين يطّرد من خلالها ، وأدواح الزبرجد تغشاه بظلالها ، وقيان الطير راقية في أغصانها ، متجاوبة بضروب ألحانها ، ونحن نوفي كلّ مكان منها طيبا ، ونشاهد منظرا عجيبا ، ولا ندع أن نعرّس في كل [ 6 ] مغنى ، وندير الكاس على كل معنى ، ولا مثل يوم / الدير وصبوح [ 7 ] وصلناه ، والنواقيس حولنا تضرب ، ونحن نطوف بالصليب ونلعب ، وذلك المزنّر يسقي ونشرب [ 8 ] ، ومغنّينا يغني ونطرب [ 9 ] : وقد عقدوه بزنّاره * فديت الغزال ومن زنّره وعسى الأيام أن تجدّد بتلك المعاهد عهدي ، فأشفي بنسيمها وجدي ، وأضع في برد ثراها خدّي ، فقد تلين في الأحيان منها معاطف ، ويكون لها في الندرة عوارف . وكان غرضي أن أسكّن بالمكاتبة من لوعتي ، وأتعلّل باستهداء الأخبار في وحشتي ، لولا ما كنت بسبيله من سقم ، لم تتمكن يدي [ 10 ] معه من إمساك قلم ، وهاهنا سرّ تصيخ إليه ، وتطّلع عليه : وعيشك ما كان جلّ ما بي إلّا من أجل العين والباء [ 11 ] ، فبرّح إن
--> [ 1 ] د ط س : يكلف ويعشق . [ 2 ] ناظر إلى قول المتنبي : وما كنت ممن يدخل العشق قلبه * ولكن من يبصر جفونك يعشق [ 3 ] س : واختلفت . [ 4 ] د ط س : أرديتها . [ 5 ] ب م : وشيها . [ 6 ] ط د س : بكل . [ 7 ] ب م : والصبوح . [ 8 ] ط س : ويشرب ؛ د : ويطرب . [ 9 ] د ط : ويطرب . [ 10 ] س : لم يتسن لي . [ 11 ] ب م : الباء والعين .