ابن بسام

218

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

التحوّل عنه والانتقال ، وقد تأملت أيّ الجهات أنجى وأعضد ، وعلى أيّ الملوك أعوّل وأعتمد ، فلم تطب إلّا على تلك الحضرة الرفيعة نفسي ، إذ كان يجمع الدولتين نظام ، ويضمّ الحالتين التئام ، وكان المنتقل بينهما إنما يتقلّب في ظلال ، ويتحوّل من يمين إلى شمال . وله من أخرى بعد انتقاله : كتابي [ 1 ] من قرطبة ، وقد وردتها بحمد اللّه على رحب وسعة ، وأخلدت منها إلى سكون ودعة ، وذهبت بحمد اللّه تلك الحيرة ، وانجلت تلك الغمرة ، واستقال الجدّ من عثاره ، ولاح قمر السّعد بعد سراره ، وأعاذ اللّه من تلك الأحوال العائدة بمساءة الأولياء ، الجالبة لشماتة [ 2 ] الأعداء ، لجمعها بين القلّة والذلّة ، وخطّة الخسف والعطلة ، وأغنى جلّ جلاله عن تلك الدولة التي حملتنا على حال خمول ، وصرفتنا على غير جميل [ 3 ] ، وحصلت بالحضرة التي لا ينفّق فيها بالمخارق ، ولا تعطى الكوادن فيها حظوظ السوابق ، وهذا هو المعهود منه تعالى في أن يديل [ 4 ] من الضرّاء بالسرّاء ، وينقل من الشدّة إلى الرخاء ، ومن اعتقد الخير غير دائم ، ولم يحسب الشرّ ضربة لازم ، فقد أراح نفسه من تعب السّاخط على القضاء ، والقانط من الفرج عند الانتهاء . / وأنت يا سيدي ممن يسرّ بما ذكرته ، لأنك الوليّ الذي لا مرض بودّه ، ولا استحالة لعهده ، ولا يوحشك ما سلف من عتب عليك ، ومنافرة لك ، وانقباض عنك ، فمن ضنّ بالخلة نافس في الصلة ، وقد عفا اللّه عما مضى ، إن حققت الآن ما ادّعيت ، ووفيت بما منّيت ، فإنك عاهدت أن تستدرك من صلة المكاتبة على تنائي الأقطار ، ما ضيّعت منها مع تجاور الديار ، وقد آن لك أن تزور كعبة الكرم ، وتهاجر إلى مطمح الآمال [ والهمم ] ، وأن تلقى ملكا ليس كالملوك التي لقيت ، ولا أحسبك ترى مثله ما بقيت ، فبادر تغنم ، ولا تتأخّر تندم . [ وله ] من أخرى [ في مثله ] : كتبت وقد أدال اللّه من تلك الديار الموحشة بضدّها ، وأراح من [ 78 ب ] مواطن الهون بفقدها ، ونقل بفضله إلى حيث البرّ باهر ، والإنعام غامر ،

--> [ 1 ] ط د س : كتبت . [ 2 ] ط د س : شماتة . [ 3 ] ب م : حال حمول . [ 4 ] م ب : يبدل ؛ ط س د : بأن يديل .