ابن بسام

200

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وتناولتني الهواجس بذلك حتى كأنّ ناظري مستنير بمرآه ، وسمعي مصغ إلى نجواه ، فما لبثت أن أنشدت : منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى * وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا [ 1 ] / وفي فصل منها [ 2 ] : ما عسى أن أكتب وقد أطلت في القول حتى أمللت ، وأكثرت من التشكي حتى أضجرت ، ولو شئت أن أقول لما أسعدت نفس قد هدّمتها [ 3 ] الهموم فما تقدر ، وأحسب [ أن ] لو أقبل عليّ من الدنيا مولّيها ، وأمكنتني الآمال [ 4 ] من نواصيها ، لما اهتززت لها اهتزاز نشاط ، ولا وليتها ولاية اغتباط ، فبؤسا للدهر ما أعنفه [ 5 ] من مالك وأصوله ، فانظر على أي نفس قدر ، وفي أيّ همم أثّر ، وأيّ خطر أخمل ، وأيّ إباء استنزل [ 6 ] ، وأيّ حدّ كلّ وفلّل [ 7 ] . ومن أخرى : في حالي - أعزك اللّه - عجب للمتعجّب ، كلما رمت وجهة فأتيتها من أقصد مذهب ، وتناولتها بألطف مرغب ، حتى تخيل لي أن أبيّها قد أسمح ، وحميد السعي فيها قد أنجح ، رجعت عنها صفر الوطاب ، وحصلت على رقراق السّراب ، وكان المستعجل منها أبطأ وأعصى ، والمستقرب أبعد وأنأى ، ويا ليت شعري إلى متى ، وكم أتعذّب وأشقى ، وهل لهذا التحيّر [ 8 ] أمد ، أم زماني كله نكد ؟ ! . وفي فصل من أخرى : وأما حالي التي تطلعت إليها فحال من لا يزال يستنجز الأيام عدات كواذب ، ويستسقيها فتمطر صواعق ومصائب . وله من أخرى يخبر ما جرى عليه بدولة المقتدر : كتابي وأنا أساير / من هذه النكبة [ 9 ] غمرة يتطاول مداها ويمتدّ ، وأصابر منها محنة تزيد مع الأيام وتشتدّ ، وزادني قلقا ما حكاه لي فلان من [ 71 ب ] خبر المقتدر في السبب الذي له جفيت ، ومن أجله

--> [ 1 ] البيت لرجل من بني الحارث ( المرزوقي : 1413 ، وذيل الأمالي : 102 ) . [ 2 ] ط د س : من أخرى . [ 3 ] ب م : نفسي قد هرمتنا ؛ د ط س : هرمتها . [ 4 ] د ط س : الأيام . [ 5 ] ط س د : أعقبه . [ 6 ] ط س : إناء استذل ؛ د : أناس . [ 7 ] ط د س : وأي حد فل . [ 8 ] ب م : البحر . [ 9 ] م ب : النكدة .